طاقة الاندماج النووي بين الإنجاز العلمي والضجيج الإعلامي

موجة الضخ الإعلامي حول طاقة الاندماج النووي التي تجتاح وسائل التواصل تثير المخاوف والتساؤلات، بدلاً من توفير المعلومات وترسيخ القناعات. إذ يتجاوز الزخم الإعلامي، في كثير من الأحيان، حدود الترويج الطبيعي، ما قد يؤثر سلباً على صورة الصناعة والثقة بها. ففي حين يتعامل الباحثون والعلماء بجدية مع التحديات والاختراقات الهندسية والتكنولوجية، تلجأ بعض الشركات إلى إطلاق الوعود وإبراز إنجازات جزئية أو صور رمزية توحي بتحقيق اختراقات نوعية. ما يعطي انطباعاً مبالغاً فيه بشأن أقتراب موعد بناء المحطات التجارية.

عدد من القيادات في هذا القطاع نبّه إلى أن التركيز المفرط على الجانب الإعلامي قد يحمل مخاطر على المدى الطويل. إذ يمكن أن يؤثر في ثقة المستثمرين والجمهور وصنّاع القرار، ويولد شعوراً بالإحباط في حال لم تتحقق الوعود بالسرعة المأمولة.

التمييز بين الاختراقات والوعود

وقبل أن تضيع الحقائق في فضاء الإعلام الرقمي، نشير إلى أن الطاقة الاندماجية ستشكل حين تحققها أكبر انقلاب في نظام الطاقة العالمي منذ اكتشاف واستخدام النفط والغاز. وربما تشكل أيضاً انقلاباً في الجغرافيا السياسية للطاقة بكل تداعياتها على الجغرافيا السياسية والتحالفات العالمية. فهي مصدر نظيف، وغير محدود للطاقة الكهربائية التي يشهد الطلب عليها نمواً انفجارياً. ناهيك عن استمرار حرمان أكثر من 1.5 مليار إنسان من نعمة الكهرباء في أفريقيا وآسيا. وما يساعد على سرعة انتشارها أنها لا تخضع للقيود السياسية والأمنية التي تحكم انتشار الطاقة النووية التقليدية. كما أنها مرشحة لتكون الأقل تكلفة بين مصادر الطاقة الكهربائية.

إقرأ أيضاً: رئيس شركة CFS: بناء الثقة بالطاقة الاندماجية يتطلب الابتكار وليس الضجيج التسويقي

الإنجازات العلمية الأخيرة، مثل تحقيق اندماج نووي لعدة دقائق تحت درجات حرارة تصل إلى مئة مليون درجة مئوية، تمثل خطوات مهمة في فيزياء البلازما. لكنها لا تعني بالضرورة أنّ بناء محطات اندماجية وشيك، إذ لا تزال هذه التجارب تتطلب كميات من الطاقة تفوق بكثير ما يُنتَج من الاندماج نفسه. ولذلك فإن الوصول إلى الطاقة الاندماجية التجارية هدف لم يحن بعد وقت الاحتفال به أو التبشير بقرب تحققه.

استراتيجيات إعلامية لبناء الثقة

المطلوب حالياً هو التركيز على بناء الثقة في صناعة الاندماج وفي القدرة على الوصول إلى المحطات الاندماجية. وبناء الثقة لا يتم باعتماد استراتيجيات تواصل وإعلام تستهدف تعزيز المنافسة لجذب المستثمرين، بل باعتماد استراتيجيات تواصل علمية منضبطة تبني وترسخ المصداقية. وهذه المصداقية تُبنى على تحقيق اختراقات علمية وتكنولوجية في المجالات الحرجة ومعالجة العقبات الفعلية مثل تحقيق طاقة صافية تفوق الطاقة المستخدمة لتحقيق الاندماج (Q>1)، واستقرار البلازما لمدة كافية، وتوليد وقود التريتيوم وتزويد المفاعل بهذا الوقود أثناء التشغيل، والتدريع النيوتروني neutron shielding.

إقرأ أيضاً:  طاقة الاندماج النووي: سباق أميركي صيني على «صناعة الشمس» (1 من 5)

كما يجدر التأكيد على أهمية التعامل بشفافية مطلقة مع نتائج الأبحاث والتجارب ونشرها بشكل مدقق، سواء الناجحة أو غير المكتملة. ما يسمح للباحثين والصحفيين والأقران بمراجعة النتائج وتقديم نقد علمي بنّاء. كما يسمح لبقية الشركات بالاستفادة منها.

تباين المقاربات بين الغرب والشرق

في الدول الغربية، يتغذى الزخم الإعلامي أساساً من المنافسة بين الشركات على جذب الاستثمارات الخاصة والتمويل الحكومي. أما في آسيا، حيث تتولى التمويل الحكومات، كما هو الحال في الصين وكوريا الجنوبية واليابان، فيبدو الخطاب الإعلامي أكثر تحفظاً. وهو يُركز على إبراز التقدم العلمي الفعلي. ومثال ذلك مشروع EAST  الذي نجح بتحقيق أرقام قياسية في مدة الاندماج ودرجة الحرارة قبل الشركات الغربية. هذا التباين يعكس اختلافاً في نماذج العمل. لكنه يسلط الضوء أيضاً على ضرورة التوازن بين البعد العلمي والبعد التسويقي.

الموازنة بين الطموح والواقعية

من الطبيعي أن تسعى الشركات إلى اجتذاب الاستثمارات لدعم مسارها البحثي. لكن المبالغة في الوعود قد تأتي بنتائج عكسية. لذلك، فإن المضي نحو تحقيق الحلم الاندماجي يتطلب مقاربة تقوم على الجمع بين الطموح العلمي والشفافية الإعلامية، بما يعزز المصداقية لدى الحكومات والمستثمرين والجمهور على حد سواء.

فالطاقة الاندماجية، حين تصل إلى مرحلة النضج التجاري، ستكون إنجازاً استثنائياً للبشرية. ولن يتحقق هذا الإنجاز إلا من خلال اختراقات ملموسة وقابلة للتحقق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى