على أي كتف ستستقر بارودة الحوثي؟
- على الضفة الشرقية لمضيق باب المندب: سيطرة «ملتبسة» لجماعة الحوثي، وانهيار «ملتبس» للقوات الحكومية. وموقف أميركي أكثر «التباساً» يوحي بأن عدم التدخل قد يخفي تقاطع مصالح أو حتى تفاهمات مع الجماعة، أكبر مما «تم تسريبه» عن اجتماع مسقط.
- على الضفة الغربية للمضيق: تفاهمات سرية وعروض علنية مع إريتريا وأرض الصومال، لبناء قاعدة عسكرية أميركية رديفة لقاعدة جيبوتي، بعد استعصاء حالة «المساكنة» مع القواعد الموجودة، وفي مقدمتها القاعدة الصينية.
- هل تفرض الجغرافيا نفسها على السياسة والمبادئ، بحيث يكافأ الحوثي مقابل نقل البندقية من كتف إيران، أو الاكتفاء مرحلياً بإبعاد إصبعها عن الزناد؟ وينهي ميناء عصب العداء التاريخي بين أميركا وإريتريا؟ ويفتح ميناء بربرة أبواب الأمم المتحدة أمام «جمهورية أرض الصومال» والاعتراف باستقلالها؟
- هل نشهد إعادة تشكيل لخريطة التحالفات والولاءات؟ وكيف تندرج هذه التحولات في الصورة الأكبر، وعنوانها التنافس الأميركي–الصيني على المضائق وممرات الطاقة والتجارة؟
الحوثيون وباب المندب: ماذا حدث على الضفة الشرقية؟
يصعب تفسير ما حدث على الساحل اليمني باعتباره مجرد انتصار عسكري لجماعة الحوثي وتعديلاً في خريطة السيطرة العسكرية المتقلبة في اليمن. ففي هجوم خاطف تمت السيطرة على مساحات شاسعة ومواقع استراتيجية على البحر الأحمر كانت تعتبر بمثابة قلاع حصينة مثل مدينة وميناء المخا. وتم ذلك وسط انهيار للقوى الحكومية، التي ترك بعضها وراءه كميات كبيرة من الأسلحة الغربية المتطورة. ونقلت «رويترز» عن مصادر أن الحوثيين حشدوا نحو 100 ألف مقاتل من دون اكتشاف حجم الحشد في الوقت المناسب، فيما كشفت العملية عن إخفاقات استخباراتية وعسكرية كبيرة.
هل ينقل الحوثي البارودة من كتف إيران، أم يكتفي بإبعاد إصبعها عن الزناد؟
والمفارقة ان جماعة الحوثي المفترض أنها ذراع إيرانية سيطرت على جزيرة ميون وسط مضيق باب المندب بواسطة زوارق صغيرة وقوارب صيد السمك تحت أنظار الأساطيل والقواعد العسكرية الأميركية والغربية وأجهزة الاستخبارات.
والأهم ماذا «لم يحدث»؟
طلبت الرياض تدخلاً عسكرياً أميركياً ضد الحوثيين، لكن الرئيس دونالد ترامب رفض توجيه ضربات إليهم. وعلل ذلك بتفسير أثار تساؤلات أكثر من الإجابات. فقد أعلن أن الحوثيين اتصلوا بواشنطن، وطلبوا ألا نهاجمهم، وأنهم ملتزمون بضمان أمن الملاحة في المضيق.
وكشفت «رويترز» عن اجتماع غير معلن عقد في السفارة الأميركية في مسقط، بحضور مسؤولين أميركيين وممثلين للحوثيين. وأكد الحوثيون خلاله التزامهم بعدم استهداف السفن الأميركية والإسرائيلية والتجارية عموماً، مع استثناء السفن السعودية.
وتطرح هذه الوقائع سؤالاً يصعب تجاوزه: هل ما «تم تسريبه» عن اجتماع مسقط هو كل ما جرى التفاهم عليه؟
والسؤال الأبعد: هل ما زال الحوثي مجرد بندقية إيرانية، أم أصبح قوة إقليمية تمتلك هامشاً متزايداً للمساومة على كيفية استخدام هذه البندقية؟ وهل يمكن أن ينسحب هذا الاستنتاج، إذا صح، على بقية أذرع إيران في المنطقة؟
الضفة الغربية للمضيق: اميركا تبحث عن قاعدة عسكرية
على الضفة الأفريقية للمضيق، تتحرك قطع أخرى على الرقعة نفسها. فقد كشفت صحيفة «لوموند»، استناداً إلى صور أقمار صناعية، عن توسعة كبيرة لمطار بربرة منذ أكتوبر 2025. كما كشفت عن أعمال لإنشاء قاعدة عسكرية. ويأتي ذلك بعد اعتراف إسرائيل بـ «جمهورية أرض الصومال» وترسيخ علاقاتها العسكرية والاقتصادية معها. وفي وقت تزايدت فيه زيارات الوفود العسكرية الأميركية لمنشآت بربرة.
إقرأ أيضا: إثيوبيا ـ أرض الصومال: حروب ودويلات أم تسويات واستثمارات ( 1 من 2 )
إقرأ أيضا: إثيوبيا ـ أرض الصومال: بين «بنادق» النفوذ و «أكتاف» الحماية (2 من 2)
ولم يعد الأمر مجرد تحركات غير معلنة. فقد عرض رئيس «الجمهورية» غير المعترف بها، عبد الرحمن محمد عبد الله عرو خلال زيارته إلى واشنطن، إقامة قاعدة عسكرية واستغلال الموارد الطبيعية مقابل اعتراف أميركي باستقلال بلاده، «فلا شيء مجاني» كما قال.
ولا يمكن فصل الاهتمام بميناء بربرة عن سعي أميركا لإيجاد قاعدة عسكرية بديلة أو رديفة لفاعدة «كامب ليمونييه» في جيبوتي المزدحمة بقواعد فرنسية ويابانية وإيطالية وغيرها، والأهم بأول قاعدة عسكرية صينية خارجية.
ويبدو ان حالة «المساكنة» مع القاعدة الصينية باتت أكثر صعوبة في ظل اشتداد التنافس والصراع الأميركي-الصيني. وربما باتت أكثر خطورة بعد أن كشفت صور الأقمار الصناعية عن توسعات كبيرة في القاعدة الصينية، وخاصة في قدرات الاتصالات والمراقبة.
إريتريا وميناء عصب: الجغرافيا تفرض شروطها
ولا تقف الخيارات المتاحة أمام أميركا عند بربرة. فإلى الشمال، بدأت واشنطن فتح قنوات مع إريتريا بعد عقود من العداء والعقوبات والعزلة. والتقى مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، الرئيس أسياس أفورقي، ثم وزير الخارجية عثمان صالح، وبحث معه التعاون والأمن والاستقرار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وكشف بولس أن لدى الولايات المتحدة «خطة مخصصة للبحر الأحمر بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء، وأن تطورات إيجابية بدأت بالفعل». ومع أنه لم يكشف عن خطوات عسكرية أو سياسية محددة، فإن وضع ميناء عصب على خريطة الاحتمالات يصبح تلقائياً عند البحث عن قواعد عسكرية رديفة أو بديلة لقاعدة جيبوتي. وذلك ما أشارت إليه صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير مطول في أبريل الماضي جاء فيه أن إدارة ترامب تدرس مجالات التعاون الاقتصادي والعسكري المتاحة في حال إعادة العلاقات الدبلوماسية مع أسمرة ورفع العقوبات.
إذا كانت بربرة قد تساعد أرض الصومال على تحويل الجغرافيا إلى اعتراف دولي باستقلالها، فهل يستطيع عصب تحويل الجغرافيا نفسها إلى مصالحة تنهي عقوداً من العداء الأميركي–الإريتري؟وتجدر الإشارة هنا، إلى أن أي تطور في العلاقات الأميركية مع أسمرة قد يفتح تلقائياً باب تسوية مع إثيوبيا، التي عرضت بالفعل التفاوض على الوصول إلى البحر الأحمر عبر عصب. كما أن خيار بربرة يمكن أن يؤدي الوظيفة نفسها، ويحوّل عقدة المنفذ البحري الإثيوبي من مصدر للصراع إلى جزء من تسوية إقليمية أوسع.
إقرأ: منعطف نفطي جيوسياسي: نفط الصومال بين تركيا وأميركا بحماية الجيش التركي
فهل تنجح أميركا في التوصل إلى هكذا تسوية تبدو شبه مستحيلة، ليس بسبب صعوبة تطويع الأعداء وحسب، بل لصعوبة لجم مشاريع التوسع والهيمنة لبعض الحلفاء مثل إسرائيل، ومراعاة هواجس البعض الآخر مثل مصر ودول الخليج، وأخيراً ضبط خلافات «أقرب الحلفاء» مثل السعودية ودولة الإمارات.
الصين وباب المندب: اختبار جديد لـ «معضلة ملقا»
في حال نجاح الولايات المتحدة في لجم ومراعاة وضبط كل هذه المتغيرات والتناقضات، وتحقيق اصطفاف قسري للكواكب، يؤدي إلى إحكام سيطرتها على موارد وإمدادات الطاقة وعلى مضائق وممرات التجارة الدولية. وهذه السيطرة تشكل أحد أسوأ كوابيس الصين.
ومعروف أن الصين استعدت منذ مطلع الألفية لمثل هذا الكابوس من خلال سلسلة خطط لعل أبرزها ما يعرف باستراتيجية «معضلة ملقا»، التي طرحها وأرسى دعائمها الرئيس هو جينتاو عام 2003. وتهدف إلى «تقليص الارتهان لممرات ومضائق بحرية تخضع لسيطرة قوى دولية أخرى».
وقد تأكدت فعالية الجانب اللوجستي والنفطي والاقتصادي من هذه الاستراتيجية خلال أزمة مضيق هرمز عبر تطبيق سياسات وإجراءات منسقة لتخفيض الطلب على النفط المنقول بحراً، واستخدام الاحتياطي الاستراتيجي وتوجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات ذات الأولوية.
فهل تندفع الصين لاختبار فعالية الجوانب العسكرية والسياسية من هذه الاستراتيجية في مضيق باب المندب؟ أم أن هذه الجوانب متروكة لأي تطورات محتملة في قضية تايوان ومضيق ملقا.
ما يجري على ضفتي باب المندب قد يكون جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لخريطة النفوذ والتحالفات، لا تقتصر التغييرات فيها على تموضع «البنادق» فقط، بل قد تطال «الأكتاف» أيضاً.
ويبقى السؤال مفتوحاً على الضفة الشرقية للمضيق: على أي كتف ستستقر بارودة الحوثي؟



