«كوب 30»: غياب أميركا وصعود الصين يحوّل المؤتمر إلى منصة لتسويق الطاقة المتجددة

 مع قرب اختتام أعمال مؤتمر المناخ «كوب 30» في مدينة ليما البرازيلية وسط غابات الأمازون، بدا المشهد سوريالياً في تناقضاته، ويوحي بأفول عصر مؤتمرات المناخ. ففي حين أراد المنظمون توظيف الرمزية البيئية والمناخية للمكان لدعم نجاح المؤتمر، توالت المؤشرات على تعثره. وكان أولها تغيّب أميركا وقادة الدول الصناعية. والثاني اندفاع الصين لتملأ الفراغ، ليس لحماية المناخ بل للترويج للطاقة المتجددة وتحويل المؤتمر إلى سوق مفتوحة لتسويق وبيع منتجات هذه الصناعة. أمّا المؤشر الثالث فكان اشتعال الخلافات والانقسامات فور افتتاح أعماله حول القضايا الخلافية الدائمة مثل تمويل الدول النامية والالتزام بتعهدات تخفيض الانبعاثات.

شكّل غياب أميركا صدمة مفاجئة، وتفاقمت أثارها بغياب قادة الدول الأوروبية التي تقود جهود حماية المناخ والتحول الأخضر. فالرئيس ترامب معروف بإنكاره لمقولات أزمة المناخ، ويعتبرها مجرد “خدعة خضراء ووهم”. وذلك ما أدى إلى موجة من الإحباط لدى الدول المشاركة، وإلى إطلاق تصريحات حادة تشكك في جدوى العملية التفاوضية نفسها. وكان صوت ماينا فاكافوا تاليا، وزير المناخ في دولة توفالو «الجزرية»، مدوياً، إذ وجّه إدانة علنية وانتقادات لاذعة للولايات المتحدة والصين وبقية الدول الكبرى، واصفاً نهجها تجاه قضايا المناخ بـ “المخزي”. وقال: “لن نبقى صامتين بينما بلداننا تغرق في المحيط. فنحن جئنا نبحث عن الأمل وكل ما حصلنا عليه هو اليأس”.

غياب أميركا وتصدر الصين ليس تفصيلاً

غياب الولايات المتحدة وتصدر الصين ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس تحولاً مهماً على الصعيدين الطاقوي والجيوسياسي. ففي حين تركز أميركا على إحياء وتعزيز نظام الطاقة العالمي القائم على النفط والغاز، تركز الصين على نظام بديل أو مواز يعتمد على طاقة الشمس والرياح.

وقد استفادت الصين من انسحاب أميركا من اتفاقية باريس للمناخ، ومن انكفائها عن المشاركة في مؤتمر كوب 30. فاندفعت إلى تعبئة الفراغ بقدر كبير من الدهاء والحنكة السياسية. حيث نجحت في جعل جدول أعمال المؤتمر مناسباً بأكبر قدر ممكن لتوجهاتها. وذلك ما عبّر عنه بوضوح المدير التنفيذي للمؤتمر بقوله: “إن الصين لعبت دوراً محورياً في التوصل إلى اتفاق حول أجندة «كوب 30» قبل بدء المفاوضات. كما الصين أيضاً في تركيز المفاوضات على كيفية تقليص استهلاك الوقود الأحفوري، مع التوسع في إنتاج واستهلاك الطاقة المتجددة باعتبارها الوسيلة المضمونة للسيطرة على الانبعاثات.

وهذه المقاربة تسهم في تحقيق هدفين مهمين للصين. الأول، تخفيف الضغوط عليها باعتبارها الدولة الأولى في توليد الانبعاثات بنسبة تفوق 30 في المئة من الإجمالي العالمي، تليها أميركا والهند. كما أنها بين الدول الأقل طموحاً في خفض الانبعاثات تبعاً. وقد لخص لي شو، رئيس مركز الصين للمناخ، هذا الوضع بقوله: “الدولة الأقوى ليست التي تمتلك أعلى صوت في مؤتمرات المناخ، بل التي تنتج وتستثمر في التقنيات منخفضة الكربون، وذلك ما يضمن فعلياً تحقيق التعهدات بتقليص الانبعاثات”.

من منبر للمناخ إلى منصة للتسويق

أما الهدف الثاني والأهم، فهو توظيف تصدرها لمشهد المناخ بعد انكفاء أميركا لترويج وتسويق منتجات الطاقة المتجددة، مستفيدة من سيطرتها حالياً على نحو 80 في المئة من الألواح الشمسية، و60 في المئة من توربينات الرياح، و70 في المئة من بطاريات الليثيوم، وأكثر من 40 في المئة من السيارات الكهربائية، إضافة إلى سيطرتها شبه المطلقة على إنتاج وتكرير المعادن النادرة التي تعتبر حجر الزاوية في صناعة الطاقة المتجددة.

إقرأ أيضاً: كوب 28: إنجاز غير مسبوق بتأسيس صندوق الخسائر والأضرار باليوم الأول

هذا التمركز الصناعي غير المسبوق، معطوفاً على رؤيتها لنظام الطاقة العالمي وعلى انكفاء أميركا، ساعد الصين على تحويل مؤتمر كوب 30 إلى منصة تجارية ودعائية أكثر من منصة مناخية. وقد تجلى ذلك في ضخامة الجناح الصيني الذي احتل موقعاً رئيسياً بجوار جناح الدولة المضيفة، في حين كانت الصين في كل مؤتمرات المناخ السابقة بجناح متواضع نسبياً. وضم الجناح معرضاً ضخماً للشركات والمصانع الصينية، وشهد منذ اليوم الأول إقامة فعاليات ترويجية بدأت بشركة «كاتل» CATL، أكبر مصنع للبطاريات في العالم. وأكد نائب وزير البيئة الصيني، لي جاو، هذا التوجه بقوله: “إن وضع الصين بوصفها منتجاً رائداً للطاقة المتجددة يجلب فوائد كبيرة لدول العالم، وخصوصاً دول الجنوب”. وأيّده في ذلك رئيس مؤتمر «كوب 30» مشيداً بدور الصين بوصفها “قائداً في تقنية الطاقة النظيفة، ما يسمح لنا بشراء تقنيات منخفضة الكربون بأسعار تنافسية”.

خطيئة ربط هدف 1.5° بخفض استهلاك النفط

تبقى الحقيقة الثابتة وهي أن تغيّب أميركا عن مؤتمر كوب 30 هو خطأ تكتيكي. ولكن اندفاع الصين لترويج الطاقة المتجددة كحل لمشكلة المناخ وكبديل عن النفط والغاز هو خطيئة استراتيجية. لأنها تسهم في ترسيخ أوهام الاستغناء عن الوقود الأحفوري. فقد بات ثابتاً استحالة تحقق ذلك، ليس في المجالات كثيفة الاستخدام للطاقة مثل النقل والصناعات الثقيلة فحسب، بل في توليد الكهرباء والاستجابة للنمو الانفجاري في استهلاكها من قبل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وذلك ما يفسر عودة الصين لبناء محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم وليس بالغاز فقط.

الأسباب الحقيقية لتعثر جهود المناخ

لم تحقق مؤتمرات المناخ في دورات انعقادها الثلاثين اختراقات مهمة، وربما كان مؤتمر (كوب 28) في دولة الإمارات هو الأنجح من حيث النتائج والحضور. لماذا وصلت جهود مواجهة التغير المناخي إلى هذا المأزق؟
السبب ببساطة، ومن دون تقويض الدقة، هو التكلفة العالية لتلك الجهود. فلا الدول الغنية راغبة في تحملها ولا الدول النامية قادرة. إذ تقدر المؤسسات الدولية المعنية تكلفة التحول الأخضر وتحقيق هدف الحفاظ على معدل الاحترار عند 1.5 درجة مئوية بحوالي 2  تريليون دولار سنوياً حتى عام 2030، ثم ترتفع خلال السنوات التالية إلى5  تريليونات دولار سنوياً، أي ما يعادل 4.5 في المئة من الناتج العالمي.

سلطان الجابر: «كوب28» منعطف حاسم، ومتفائل بحذر بالتوصل إلى اتفاق نهائي

كل الخطط والخطابات ومؤتمرات المناخ، وبخاصة تلك التي تلت انتعاش جهود مكافحة التغير المناخي بعد توقيع اتفاقية باريس عام 2015، لم تحقق أية نتيجة عملية. بل كشفت رفض الدول الكبرى تحمل مسؤولياتها. فقد شهدت تلك المؤتمرات مفاوضات مرهقة حول مسألتين رئيسيتين:

الأولى، التعهدات الوطنية بخفض الانبعاثات والالتزام بها، حيث مارست الدول الغنية شتى أنواع المناورات لتخفيض تعهداتها بتخفيض الانبعاثات المتراكمة والجديدة، كما سارعت إلى عدم الالتزام بالتعهدات التي اضطرت لإعلانها. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى ارتفاع انبعاثات اقتصادات G20 بدل انخفاضها.

التنصل من تمويل الدول النامية

المسألة الثانية، عدم رغبة الدول الكبرى في توفير الدعم المالي للدول النامية لمساعدتها في التحول الأخضر، وكذلك في تحمل الخسائر والأضرار الناجمة عن التغير المناخي الذي تسببت به الدول الصناعية الكبرى. وحتى مبلغ الـ 100 مليار دولار سنوياً الذي أُقر في قمة كوبنهاغن عام 2009 لم يتم الالتزام به، رغم المطالبات والمفاوضات الدائمة.

إقرأ أيضاً: مؤتمر المناخ «كوب 29»: بين «الشعبوية» والمصداقية

أما صندوق الخسائر والأضرار فشكّل الدليل القاطع على عدم جدية الدول الكبرى في مواجهة أزمة التغير المناخي، وبالتالي على عقم مؤتمرات المناخ. فقد اتُخذ قرار الموافقة على إنشائه في مؤتمر (كوب 27) في شرم الشيخ تجنباً لإعلان فشل المؤتمر، وتم ذلك بعد تأجيل اختتام أعماله لمدة يومين. وعندما تم الإعلان عن تأسيسه في مؤتمر (كوب 28) في دبي، رفضت الدول الصناعية الكبرى الالتزام بتوفير التمويل له. وذلك على الرغم من موافقتها على ما يعرف بـ «خطة شرم الشيخ للتنفيذ»، التي نصت على أن التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون يستلزم استثمارات تتراوح بين 4 إلى 6 تريليونات دولار سنوياً. وقد سعت هذه الدول إلى اعتماد طروحات وبدائل مضللة لحل مشكلة التمويل، شملت على سبيل المثال إشراك القطاع الخاص من خلال الاستثمارات الخاصة، ومنح قروض بدل المنح، إضافة إلى الضغط على المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي لتحويل التمويل المخصص للتنمية ومكافحة الفقر إلى تمويل المناخ.

إقرأ أيضاً: البنك الدولي بين تمويل التنمية والمناخ: بايدن يعتبر بانغا «القائد التحويلي» 

يضاف إلى هذا السبب الرئيسي أسباب أخرى تشمل المعارضة الشعبية الواسعة لضرائب المناخ في الدول الصناعية، وصعود اليمين السياسي المناهض للسياسات الخضراء، وأزمات جيوسياسية أعادت الأولوية للوقود الأحفوري.

نهاية مؤتمرات المناخ أم مقاربة جديدة

مع غياب قادة الدول الكبرى، وغياب التمويل، وتضارب المصالح، وطرح أهداف غير واقعية لتخفيض الانبعاثات والتخلص من الوقود الأحفوري، يبدو أن «كوب 30» قد يكون نقطة التحول:
إمّا العودة إلى مسار عالمي أكثر عقلانية في تحديد الأهداف، وأكثر جدية في تنفيذ التعهدات… أو أن تتحول مؤتمرات المناخ إلى اجتماعات رمزية بلا أثر حقيقي.
وليكون مؤتمر ليما في غابة الأمازون، شاهداً على أفول عصر مؤتمرات المناخ… أو ولادة مقاربة جديدة تعيد إحياءها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى