كومنولث فيوجن سيستمز: تمويل قياسي يعكس ثقة المستثمرين بالاندماج النووي

يشكل إعلان شركة كومنولث فيوجن سيستمز (Commonwealth Fusion Systems – CFS) الأميركية، عن جمع 863 مليون دولار في جولة تمويل جديدة (Series B2)، دفعة قويةللشركة. كما يشكل تعبيراً عن ترسخ قناعة المستثمرين بجدوى الاستثمار في صناعة الاندماج النووي رغم العقبات التقنية التي لا تزال تعترضها

وتأتي هذه الجولة الجديدة من التمويل في سياق طفرة عالمية متزايدة من الاستثمارات في شركات الاندماج النووي الخاصة. حيث تمكنت شركات أخرى مثل Helion Energy وTAE Technologies وGeneral Fusion من جذب تمويلات بمئات الملايين من الدولارات خلال السنوات الأخيرة. وتشير بيانات جمعية صناعة الاندماج النووي (FIA) إلى أن إجمالي الاستثمارات الخاصة في هذا القطاع تجاوز 7 مليارات دولار مقارنة بأقل من مليار دولار قبل عقد واحد فقط.

بين “سبارك” و”آرك”

وكانت شركة كومنولث فيوجن سيستمز قد جمعت في جولة تمويل سابقة 1.8 مليار دولار. وأوضحت الشركة، ومقرها مدينة ديفنز بولاية ماساتشوستس، أن التمويل سيستخدم أولاً لاستكمال بناء جهاز “سبارك” SPARC. وهو النموذج التجريبي الفريد الذي يهدف إلى إثبات إمكانية إنتاج طاقة اندماجية صافية خلال السنوات القليلة المقبلة. كما سيوجه جزء من التمويل إلى تسريع العمل على مشروع ARC، وهو أول محطة تجارية للطاقة الاندماجية تخطط لبنائها في ولاية فرجينيا.

إقرأ أيضاً: رئيس شركة CFS: بناء الثقة بالطاقة الاندماجية يتطلب الابتكار وليس الضجيج التسويقي

وتؤكد الشركة أن نجاح “سبارك” سيمثل نقطة تحول تاريخية. إذ سيثبت للمرة الأولى قدرة التكنولوجيا على توليد طاقة تفوق ما تستهلكه العملية نفسها. ومن شأن الانتقال لاحقاً إلى “آرك” أن يفتح الباب أمام إنشاء سلسلة من المحطات الاندماجية القادرة على تزويد الشبكات الكهربائية بطاقة نظيفة وآمنة ومنخفضة الكلفة.

تميزت الجولة الجديدة من التمويل بانضمام طيف واسع من المستثمرين. بدءاً من صناديق سيادية ومعاشات تقاعدية، وصولاً إلى شركات صناعية كبرى ومؤسسات مالية عالمية. ومن أبرز الأسماء الجديدة: بريفان هاورد، وحدة مورغان ستانلي كاونتربوينت غلوبال، المستثمر الأميركي ستانلي دروكنميلر، FFA Private Bank دبي، صندوق NVentures التابع لشركة إنفيديا، إضافة إلى اتحاد يضم 12 شركة يابانية بقيادة ميتسوي وميتسوبيشي.

كما عاد عدد من المستثمرين البارزين ممن شاركوا في جولات سابقة، مثل صندوق Breakthrough Energy Ventures المدعوم من بيل غيتس، وغوغل، وإيني الإيطالية، وهوستبلس الأسترالي للمعاشات التقاعدية. ويجمع هؤلاء إيماناً مشتركاً بأن قطاع الاندماج النووي يقف على أعتاب تشكيل صناعة جديدة عملاقة. وأن CFS مرشحة لتكون في طليعة هذا التحول.

طفرة استثمارية في قطاع ناشئ

ويرى خبراء أن هذا النمو في الاستثمارات الخاصة يعكس تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى الاندماج النووي. الذي كان لعقود طويلة محصوراً في المختبرات الحكومية ومشاريع الأبحاث الممولة من الدول. واليوم، باتت الشركات الناشئة تجذب صناديق سيادية ومستثمرين كبار، في رهان على أن التكنولوجيا ستصل إلى النضج التجاري خلال العقد المقبل.

إقرأ أيضاً: الاندماج النووي نحو الانتاج التجاري

ورغم الحماسة، يواجه القطاع تحديات تقنية واقتصادية كبيرة. إذ لا يزال الطريق طويلاً نحو إثبات جدوى بناء محطات اندماجية تجارية قادرة على إنتاج الكهرباء بكلفة منافسة. كما أن المنافسة تتصاعد بين النماذج المختلفة: من المفاعلات ذات الحبس المغناطيسي إلى الحلول القائمة على حبس البلازما بالليزر (كما في المختبر الوطني الأميركي في لورانس ليفرمور).

مع ذلك، يعتبر كثير من المستثمرين أن المخاطر مقبولة أمام المكاسب المحتملة إذ يمكن للاندماج النووي أن يوفر طاقة نظيفة لا تنضب عملياً. ويضع حداً للاعتماد على الوقود الأحفوري والانبعاثات الكربونية.

صناعة في طور التشكل

يرى مراقبون أن دخول مؤسسات مالية كبرى وصناديق سيادية إلى هذا الميدان يضفي شرعية إضافية على القطاع. وينقل الاندماج النووي من خانة “الخيال العلمي” إلى مسار تجاري حقيقي. وإذا نجحت CFS في تحقيق هدفها بإثبات إنتاج طاقة صافية في “سبارك”، فإن السنوات الخمس المقبلة قد تشهد بداية رسم ملامح أول صناعة عالمية للطاقة الاندماجية.

وبذلك، فإن الجولة التمويلية الجديدة لا تعكس فقط ثقة المستثمرين في كومنولث فيوجن سيستمز. بل تكشف أيضاً عن سباق عالمي محموم لامتلاك “طاقة الشمس على الأرض”، وما تحمله من وعود بتغيير جذري في مشهد الطاقة العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى