من قاعات (أوبك بلس) إلى حقول الطاقة المتجددة: معادلة أمن الطاقة والمناخ

حمل قرار تحالف (أوبك بلس) مطلع أغسطس الحالي، بتسريع وتيرة إلغاء التخفيضات الطوعية البالغة حوالي 2.2 مليون برميل يومياً مفارقة لافتة في أسواق الطاقة. وهي ارتفاع الطلب على النفط رغم التطور الكبير في مصادر الطاقة المتجددة. وخلف الأبواب المغلقة في اجتماعات وزراء التحالف، كانت النقاشات تدور حول مزيج حساس من الاعتبارات تشمل: الحفاظ على أسعار مستقرة، ضمان الحصة السوقية، والاستعداد لردود فعل الأسواق التي تراقب كل برميل يُضَخ أو يُحجَب.

إقرأ أيضاً: أمن الطاقة وأمن المناخ: بين فضيلة الدمج ورذيلة الفصل (2 من 2)

مع أن الأسعار ارتفعت قليلًا في يوليو ليصل سلة خامات أوبك نحو 70.96  دولارًا للبرميل، لكنها ظلت أقل بنحو 16 في المئة عن العام الماضي. ما يعكس حالة من التوازن الهش. هذا الوضع يمنح  تحالف (أوبك بلس) فسحة للتحرك. لكنه أيضاً يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع: هل يمكن الاعتماد على النفط وحده في عالم تتسارع فيه التحولات البيئية والسياسية؟

تحديات التحول نحو البدائل

رغم أن قرارات (أوبك بلس) الأخيرة تعيد الأضواء إلى النفط، فإن مسار التحول نحو الطاقة النظيفة يسير بخطى ثابتة، وإن كان محفوفًا بالعقبات. فالطاقة الشمسية، على سبيل المثال، تقدم أحد أنظف الحلول المتاحة اليوم. إذ تُنتج على مدار دورة حياتها انبعاثات أقل بكثير من الوقود الأحفوري، تصل إلى نحو 80–88 غراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلواط/ساعة عند إضافة بطارية للتخزين في الأنظمة المنزلية. لكن هذه التكنولوجيا لا تخلو من آثار بيئية ناتجة عن التعدين وتصنيع الألواح. أما طاقة الرياح، فتعتمد على مصدر طبيعي لا ينضب وتوفر كهرباء منخفضة الانبعاثات. لكنها تواجه تحديات تتعلق بتأثيراتها البيئية الكبيرة وصعوبة إعادة التدوير.

إقرأ أيضاً: أوروبا أمام الخيار المؤلم: مقايضة الأمن بالمناخ

ويبرز الهيدروجين الأخضر كوقود مستقبلي قادر على تشغيل الصناعات الثقيلة ووسائل النقل الكبرى بلا انبعاثات تقريباً. غير أن تكاليف إنتاجه الحالية والحاجة إلى بنية تحتية معقدة للتخزين والنقل تجعل انتشاره محدوداً. وحتى الطاقة النووية، التي تتميز بكثافة إنتاج عالية وانبعاثات منخفضة، فهي تواجه بدورها عقبات تتعلق بالكلفة الهائلة، ومتطلبات الأمان، وإدارة النفايات على المدى الطويل. هذه التباينات تكشف أن «الأخضر» ليس كافياً لتلبية المتصاعد على الطاقة. كما أنه «ليس معصوماً» من الإضرار بالبيئة. وإن كان في مجمله يمثل خطوة نحو أثر مناخي أقلّ حدة من الوقود الأحفوري.

بين الواقع والطموح

علم دورة الحياة يوضح أن الانبعاثات الكلية للطاقة المتجددة تبقى أدنى بكثير من الأحفوري، حتى مع أخذ مراحل الإنتاج وإدارة المخلفات في الحسبان. لكن المخاطر الأخرى، مثل استهلاك المعادن الحرجة (الليثيوم، الكوبالت) ومخلفات نهاية العم، تتطلب خططًاً مبكرة للإدارة والتدوير. أي أن الطاقة المتجددة ليست معفية من الأعباء، بل هو انتقال إلى أعباء أقل وأخفّ، ويمكن التحكم فيها بالتكنولوجيا والسياسات.

إقرأ أيضاً: أميركا تنسحب من اتفاقية المناخ و «تحاكم» IEA… فهل يأتي دور IRENA؟

ولا شك في أن قرارات (أوبك بلس) الأخيرة تعكس إدراكاً بأن العالم ما زال يحتاج النفط لسنوات قادمة. لكن في الوقت نفسه، يمكن القول أن منحنى الطاقة يسير باتجاه تنويع المصادر. ولن يكون الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة قفزةً مفاجئة. بل مساراً تدريجياً يتطلب توازناً بين أمن الإمدادات، واستقرار الأسعار، وخفض الانبعاثات.

في النهاية، كل برميل نفط يُضَخ اليوم، وكل لوح شمسي يُركّب غدًا، هما جزء من معادلة واحدة: كيف نُبقي الأضواء مضاءة، والمصانع دائرة، دون أن ندفع ثمنًا مناخياً لا يمكن إصلاحه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى