نفط سوريا: معضلة العقود مع إيران بعد استعادة الحقول من «قسد»
صور إعادة نقل النفط السوري من حقل العمر إلى مصفاة بانياس تختصر، في رمزيتها، السرعة اللافتة لانتقال الدولة السورية من إدارة أزمة إلى إدارة وطن موحّد بكل فئاته وبكل موارده. وليبدأ مسار طويل وشاق لحلّ المشاكل القانونية والالتباسات التعاقدية المتعلقة بهذه الحقول.
وبانتظار استكمال استعادة كل المناطق وكل الموارد إلى «حصن» الوطن، على قاعدة العدل والمساواة بين كل المكونات في ظل «حكم القانون والدستور»، فإن استعادة الحقول تفتح ملف تصفية «التركة الثقيلة» للاتفاقيات والعقود الموقعة من قبل نظام الأسد قبل اندلاع الثورة وبعدها. إضافة إلى التداعيات القانونية والمالية لاستغلال قوى الأمر الواقع عدداً كبيراً من الحقول، من روسيا وإيران إلى «داعش» و «قسد». ما يجعل استعادة تلك الحقول منعطفاً مفصلياً في مسار أحد أكثر القطاعات حساسية، وأكثرها تداخلاً مع الجغرافيا السياسية الإقليمية والدولية.
إقرأ أيضا: النفط في سوريا: النموذج العراقي أم الليبي… أو النرويجي ؟
فالعقود الموقعة تشمل مروحة واسعة من الشركات الأميركية والبريطانية والفرنسية والروسية. إضافة إلى عقود مع شركات إيرانية. ولتوضيح ملابسات ومخاطر تلك العقود، يفترض تقسيمها إلى قسمين: الأول العقود الموقعة قبل عام 2011 وكانت مع شركات نفط دولية. والثاني بعد اندلاع الثورة وكانت مع شركات إيرانية وروسية بشكل أساسي. وبعض هذه العقود يتعلق بحقول أو بلوكات كانت ملزمة أصلاً لشركات دولية.
عقود ما قبل 2011: استعادة سيادة وإعادة تفاوض
قبل عام 2011، كانت كل الحقول المكتشفة موضع اتفاقيات مشاركة في الإنتاج مع شركات غربية وآسيوية كبرى مثل شل، توتال إنيرجيز، غالف ساندز، وصنكور. وقد علّقت هذه الشركات نشاطها بفعل «القوة القاهرة» نتيجة العقوبات والمخاطر الأمنية، لكنها لم تُنهِ تلك الاتفاقيات والعقود قانونياً. بل تقدمت بمطالبات لتسديد مستحقات غير مدفوعة تعود لما قبل تعليق العمليات، وتُقدَّر قيمتها بين 800 مليون ومليار دولار.

كما يُتوقّع أن تبادر هذه الشركات إلى المطالبة بحصص من الإنتاج بين عامي 2011 و2025، والذي تم بموجب عقود موازية بين الحكومات السورية المتعاقبة وشركات روسية وإيرانية. وتُعدّ هذه المطالبات من أخطر النزاعات، لأنها تتضمن ما يُعرف بـ «ازدواجية تخصيص الحقوق» (double allocation of rights)، وهي من أخطر حالات النزاع الاستثماري التي قد تفتح الباب أمام دعاوى تحكيم يترتب عليها تعويضات ضخمة.
ولذلك يبدو أن سوريا تستعجل إقفال هذا الملف، مستفيدة من الدعم العربي والدولي في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة. وقد تجلّى ذلك في المباحثات المكثفة مع شركة «شل» التي أعلنت عزمها الانسحاب من حقل العمر. حيث قال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي إن المفاوضات قطعت شوطاً كبيراً للتوصل إلى تسوية مالية تتيح إنهاء العقد ونقل الحصة إلى الحكومة السورية.
عقود ما بعد 2011: معاملة خاصة لروسيا
تتركز العقود العلنية والقانونية، أو «غير العلنية وغير القانونية»، التي وقعتها الحكومات السورية بعد عام 2011 على شركات روسية وإيرانية. ومن بينها عقود تتعلق بحقول أو بلوكات كانت ملزمة أصلا ًللشركات الأجنبية. وقد يكون إلغاء هذا النوع من العقود أكثر سهولة نظراً لارتباطه بحقوق شركات أخرى. أما العقود المتعلقة ببلوكات مستحدثة، فلن يكون التراجع عنها يسيراً، خاصة أنها صدرت بمراسيم وصادق عليها مجلس الشعب.
وبالنسبة لعقود الشركات الروسية، فقد بات واضحاً أنها ستكون موضع مراجعة شاملة. لكن ضمن موازنة دقيقة بين عدم «تخريب» العلاقات مع موسكو، وبين الطبيعة القانونية الملتبسة لبعض العقود التي وُقّعت في ظروف حرب وانقسام سيادي. ويُرجَّح إلغاء العقود غير القانونية، كما في حالة شركة «إيفرو بوليس» المرتبطة بمجموعة فاغنر، التي تولت حماية الحقول مقابل حصة من الإنتاج وصلت إلى 25 في المئة.
إقرأ أيضا: غاز لبنان: «هزة» ترسيم الحدود البحرية التركية السورية و«إرتداداتها» (1 من 2)
أما العقود القانونية، فالمرجح إحياء تلك التي تعود لفترة ما قبل 2011. وتجلى ذلك بدعوة رسمية من الحكومة السورية لشركة «تاتنفت» الروسية لاستئناف نشاطها في البلوك 27 قرب الحدود العراقية. وفي المقابل، قد يجري العمل على إعادة هيكلة العقود الموقعة بعد عام 2011، لا إلغائها بالكامل. بما يضمن تقليص الحصص وإدخال أطراف أخرى، خاصة إذا ثبت أنها تتضمن إجحافاً بحقوق الدولة السورية. ويشكل إلغاء عقد إدارة مرفأ طرطوس مع شركة روسية، مؤشراً مهماً في هذا السياق.
العقود الإيرانية: بين الإلغاء وانتظار التطورات
مشكلة العقود الموقعة مع الشركات الإيرانية هي الأكثر تعقيداً، إذ يتضح أنها صُمِّمت أصلاً لتشكّل ربط نزاع متشابكاً ودائماً مع الدولة السورية حتى بعد سقوط النظام. فقد جرى ربط تسديد خطوط الائتمان المفتوحة لتمويل مشتريات سوريا النفطية بأصول نفطية. كما في التسهيل الائتماني في يوليو 2013 وقيمته 3.6 مليارات دولار، والذي نصّ على أن «يتم سداده على شكل استثمارات إيرانية في أصول سورية».
ربط العقود الإيرانية بتسديد الديون يشكل «ربط نزاع» متعمد ودائم حتى مع النظام الجديد
ومن أبرز الأمثلة على ذلك العقد المتعلق بالبلوك 21، ومساحته تقارب 3200 كيلومتر مربع، والممنوح لشركة «بترو تدبير» الإيرانية بعقد مدته 30 عاماً. وينص على تخصيص جزء كبير من حصة سوريا في الإنتاج لتسديد 3.4 مليارات دولار من الديون. وكذلك الأمر بالنسبة إلى البلوك 12 في منطقة البوكمال، حيث مُنحت شركة «خاتم الأنبياء» نحو 1000 كيلومتر مربع، وصُودق العقد بقانون في مجلس الشعب عام 2020.
وهذه العقود، بصفتها اتفاقيات دولية مصادقاً عليها بقوانين، تجعل مسألة الإلغاء أو التعديل بالغة الحساسية. وربما يتم ربط مصيرها بالتسوية الإقليمية الأوسع، وبحدود الدور الإيراني في سوريا في حال تم تغيير النظام في إيران.
دخول الشركات الأميركية
بموازاة استعادة الحقول، والعمل على حلّ المشاكل القانونية المرتبطة بها، تجري مباحثات جدية لدخول الشركات الأميركية قطاع النفط السوري، مثل «شيفرون» و «إكسون موبيل». وقد أكد قبلاوي الأخبار المتعلقة بعودة شركة «كونكو فيليبس» للعمل في حقول النفط والغاز التي تمتلك عقوداً للاستثمار فيها. أما شركة «غالف ساندز بتروليوم» البريطانية فكانت من أوائل الشركات التي سعت مبكراً للعودة للاستثمار في البلوك رقم 26 في دير الزور.
وكشفت تقارير أميركية أن مباحثات الرئيس السوري في الولايات المتحدة تناولت دخول الشركات الأميركية قطاع الطاقة في سوريا. كما تم الكشف عن مشروع استراتيجي تحت اسم «سيريوس إنرجي» بين السلطات السورية وشركات أميركية. ويتضمن المشروع تأمين الحقول، إصلاح البنية التحتية، استعادة الإمدادات، إنشاء شركة نفط وطنية، وضمان حوكمة شفافة، وتمكين الصادرات عبر الشبكات الإقليمية.
هل تستطيع سوريا تحويل ثروتها النفطية من ساحة تصفية حسابات ومصدر لتمويل الصراعات إلى رافعة استقرار وتنمية.؟
الإجابة لن تُكتب في الحقول وحدها، بل على طاولات المفاوضات والتحالفات والتسويات.



