هل تشكل هيكلة (أوابك) نموذجاً لإصلاح الهيئات العربية.. أم لإغلاقها؟
المقر الدائم للمنظمات العربية بالكويت، هو بلا شك «تحفة» هندسية وجمالية. فهل تنطلق منه، وتحديداً من الطابق الثالث حيث مقر المنظمة العربية للطاقة (أوابك سابقاً)، «ورشة» إصلاح هيئات ومؤسسات العمل العربي المشترك؟ ولتشكل عملية إعادة هيكلة المنظمة نموذجاً يُعمم على بقية الهيئات بهدف إصلاح ما يمكن إصلاحه، وإغلاق ما يصعب إصلاحه. وذلك بناءً على الحاجة الملحة لإعادة إنتاج مفاهيم ونظم وهيئات عصرية، تواكب التطورات الدولية والتحولات العميقة التي تشهدها الدول العربية.
الفشل ليس خياراً
قفز هذا السؤال إلى خاطري عند دخولي المبنى لمقابلة أمين عام المنظمة العربية للطاقة، المهندس جمال اللوغاني. وتراءت معه صور تختزنها الذاكرة من العمل لسنوات طويلة في الهيئات العربية المشتركة ومن بينها عدة سنوات في هذا المبنى بالذات. شريط طويل لمظاهر الترهل والتعثر وإهدار الأموال والكفاءات في عشرات الهيئات والمؤسسات والمشروعات المشتركة.
ولكن تراءت بالمقابل ملامح أولية لصورة مختلفة، تتشكل على وقع المبادرة التاريخية لإعادة هيكلة (أوابك). وتكتسب المبادرة أهمية خاصة لأنها تتميز بما يلي:
- تتعلق بمنظمة تعمل في قطاع الطاقة الذي كان وسيبقى من أكثر القطاعات أهمية وحساسية على المستويات السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية. وقد شكلت هذه المنظمة نموذجاً للنجاح والانجاز، خلال مرحلة العمل العربي المشترك القائم على طموحات وشعارات التكامل والوحدة وإطلاق المشاريع الضخمة. كما شكلت نموذجاً للتعثر والتهميش في مرحلة «عقلنة» تلك الطموحات والشعارات.
- استندت إلى اقتراح سعودي وتأييد كويتي، حظي بإجماع الدول الأعضاء. وتزامن ذلك مع إعادة هيكلة أبرز وأنجح الشركات المنبثقة عن (أوابك)، وهي الشركة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب)، التي تتخذ من السعودية مقراً لها، والتي تم تغيير اسمها ليصبح «الصندوق العربي للطاقة».
ويجدر التوقف ملياً أمام التبني السعودي ـ الكويتي العلني للمبادرة لاستقراء الدوافع والتطورات. ولعل أهمها ان فشل المبادرة ليس خياراً. فإما النجاح بإحياء (أوابك) بدور وهوية وأهداف جديدة لتشكل نموذجاً لتفعيل هيئات العمل العربي المشترك. وإما إعادة النظر بوجودها ولتشكل أيضاً نموذجاً للتعامل مع غالبية هذه الهيئات.
هل يستهدف التبني السعودي ـ الكويتي العلني للمبادرة، حصر الخيارات بين تقديم نموذج لتفعيل الهيئات العربية، أو نموذج لإعادة النظر بوجودها ؟
تحديات التنفيذ
الجزء المعروف من التحديات قد يكون كافياً لخلق حالة من الإحباط، خصوصاً تلك المتعلقة بالتمويل وتوفر الموارد البشرية. وكذلك صعوبة إعادة هيكلة وإحياء منظمة تجاوز عمرها نصف قرن، وتمتلك إرثاً كبيراً من الإنجازات والإخفاقات. مما يجعل تأسيس منظمة جديدة ربما أسهل. أما التحدي الأكبر، فهو تعارض السياسات والتوجهات والنظم بين الدول الأعضاء. وإذا كان هذا التحدي أهم أسباب تعثر منظمة (أوابك)، فمن المنطقي توقع ارتفاع تأثير هذا التعارض مع توسع العضوية والأنشطة.
إقرأ أيضاً: إعادة هيكلة «أوابك»: استعادة هوية مفقودة وترسيخ دور موعود
لكن حالة الإحباط والقلق تضاءلت، خلال الحوار مع المهندس جمال اللوغاني، والاطلاع على التوجهات والسياسات الجديدة للمنظمة. وكذلك على العوامل ذات التأثير الحاسم في تقرير النجاح أو الفشل. ومع أنه كشف عن الكثير من المعطيات حول تلك التوجهات والعوامل. لكن هناك معطيات أخرى، وربما أكثر أهمية، ستظهر مع تقدم إنجاز المرحلة الثانية من عملية إعادة الهيكلة. وبخاصة ما يتعلق منها بالمبادرات الخمس عشرة التي أقرها المجلس الوزاري.
عناصر تجاوز التحديات
لأننا نجهل الكثير من تلك المعطيات، ولأن القليل الذي تعرفنا عليه «ليس للنشر» أو يصنف في خانة «المجالس بالأمانات»، فإننا نكتفي بالإضاءة على معطيات يمكن التوصل إليها بالتحليل والاستدلال، والتي ترجح نجاح التجربة، وأهمها:
- وجود دعم كبير من السعودية كدولة مؤسسة وكقوة إقليمية ودولية، بكل ما يعنيه ذلك من قدرة على التأثير في مسار التطورات. ودعم مماثل من الكويت كدولة مؤسسة ودولة مقر، إضافة إلى كون الأمين العام مواطناً كويتياً.
- تعديل جوهري في اتفاقية إنشاء المنظمة وأهدافها ودورها، وكذلك في الهيكل التنظيمي والنموذج التشغيلي، ما يجعلها أقرب إلى «بيت خبرة عربي» في مجال الطاقة. وهو مفهوم متقدم يعتمد «عقلنة أحلام» التكامل والوحدة. تلك الأحلام التي جعلت هيئات العمل العربي سلطة عليا فوق السلطات الوطنية، تتولى وضع وتنسيق السياسات والخطط وتأسيس المشروعات المشتركة. وقد شكلت هذه التركيبة المفتعلة للعلاقة بين السلطات الوطنية و«القومية» السبب الرئيسي لتعثر (أوابك) وغيرها من هيئات العمل العربي المشترك.
- وجود قناعة راسخة لدى جمال اللوغاني والدائرة الضيقة من المساعدين بعملية التغيير وضرورتها. وأهمية هذا العامل لا تخفى على أحد، إذ تثبت التجارب أن الأمين العام في المنظمات العربية والدولية، يلعب عادة دوراً كبيراً في النجاح أو التعثر. كما أن كبار الموظفين يشكلون أيضاً قوة لا يستهان بها. لأنهم غالباً ما يمثلون توجهات وسياسات دولهم. وإذا جاز لنا الاسترسال قليلاً، نشير إلى أن الانطباع الذي ترسخ في الذهن بعد مقابلة اللوغاني، هو أنه رجل يجمع بين حنكة ومرونة السياسي الذي يتقن فن تدوير الزوايا. وبين فهم وحزم التكنوقراط الذي يتقن فن الإنجاز. وتلك ميزات بالغة الأهمية في مرحلة تنفيذ إعادة الهيكلة أو التأسيس الثاني للمنظمة.
ملاحظة:
هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الباحثين والخبراء والكتاب العرب لاعتماد منصات ومطبوعات المنظمة العربية للطاقة، لنشر أبحاثهم ودراساتهم ومقالاتهم. وذلك بهدف إغناء الإنتاج والمخزون المعرفي للمنظمة، بما يسهم في إنجاح تجربة تقديم نموذج جديد للعمل العربي المشترك.
ياسر هلال



