هل من أهداف اقتصادية لحرب إسرائيل على إيران؟

لم تكن الحروب يوماً غاية بحد ذاتها، بل كانت على الدوام أداةً لتحقيق مصالح وأهداف استراتيجية واقتصادية تتجاوز ميدان المعركة. وفي هذا السياق، يمكن فهم حرب إسرائيل على إيران، باعتبارها صراعاً يتجاوز الجانب العسكري التقليدي إلى محاولة لإعادة رسم معادلات القوة العسكرية والاقتصادية في الشرق الأوسط، بما في ذلك الهيمنة على موارد الطاقة ومساراتها.

فعلى الرغم من أن هدف إسرائيل المباشر هو تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، لا سيما منها القدرات النووية، بالإضافة الى تقليص نفوذها الإقليمي، إلا أن أهدافها الاقتصادية لم تكن معلنة. علماً أن أن بناء قوة عسكرية متقدمة في أي دولة يرتكز بالضرورة على قاعدة اقتصادية متينة، قادرة على تمويل البحث العلمي والتصنيع العسكري. من هنا، كان يُفترض أن يكون ضرب الاقتصاد الإيراني هدفاً إسرائيلياً موازياً ومكملاً لتدمير سلاحها وتقويض منظومتها الدفاعية.

دور النفط والغاز في الاقتصاد الإيراني

يُعدّ قطاع النفط والغاز من الركائز الأساسية للاقتصاد الإيراني ومصدراً رئيسياً لتمويل الدولة. وتزداد أهميته في ضوء احتفاظ إيران بثاني أكبر احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي في العالم، وثالث أكبر احتياطيات من النفط الخام، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA). الأمر الذي يجعل من استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران هدفاً اساسياً لإسرائيل، إذ تستكمل من خلالها ضرب ركائز القوة العسكرية وإمكانية تطويرها مستقبلاً.

أقرأ أيضا: ما هي السيناريوهات المحتملة لاستهداف النفط الإيراني؟

كما تُشكل مصافي النفط ومحطات الغاز، العامود الفقري لصناعة النفط والغاز في إيران. حيث يشمل قطاع التكرير تسع مصافٍ لتكرير النفط الخام والمكثفات الغازية، بطاقة استيعابية تبلغ نحو 2.4 مليون برميل يومياً، تُغطي حاجة السوق المحلية وتوَفر مواد خام للصناعات البتروكيماوية، إضافة إلى صادرات تدرّ عوائد مهمة بالنقد الأجنبي، خاصة من المشتقات النفطية الفائضة عن الاستهلاك المحلي.

وعلى الرغم من العقوبات الغربية، لا تزال إيران قادرة على تصدير ما معدله 1.56 مليون برميل يومياً، معظمها إلى الصين، وهو أعلى مستوى لصادراتها منذ الربع الثالث من عام 2018، حسبما نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن شركة فورتيكسا للبيانات. الأمر الذي يُقلق إسرائيل التي ترى في استمرارية إيرادات إيران من صادرات الطاقة مصدراً أساسياً لتمويل أنشطتها النووية والإقليمية.

وفي بداية عدوانها، تجنبت إسرائيل استهداف منشآت الطاقة الإيرانية بشكل مباشر، استجابة منها لضغوط حلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية. لما يُشكله هذا الاستهداف من خطر اتساع المواجهة بين الطرفين، وقيام إيران باستهداف وضرب منشآت الطاقة الإسرائيلية. والتسبب بارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية.

استهداف جزئي للمصافي  

وعلى الرغم من هذه الضغوط والمخاوف، هاجمت إسرائيل اعتباراً من الثالث عشر من حزيران، منشآت الغاز الإيرانية في حقل بارس الجنوبي للغاز وهو أكبر حقل غاز في العالم، أو حقل الشمال كما تُسميه قطر التي تشترك فيه مع إيران. وقد أدت الضربات الاسرائيلية إلى تعليق إيران إنتاج ما لا يقل عن 12 مليون متر مكعب من الغاز يومياً. كما هاجمت منشأة فجر جم للغاز، إحدى أكبر منشآت المعالجة في إيران الواقعة في محافظة بوشهر. والتي تُعالج الغاز الذي ينتجه حقل بارس الجنوبي.

إقرأ أيضاً: ضرب النفط الإيراني: مؤشر لتسوية قسرية أم لإسقاط النظام؟

وشملت الهجمات الإسرائيلية بالإضافة الى منشآت الغاز، مصفاة عبادان، التي تقع على مقربة من الحدود العراقية. وتُعدّ هذه المصفاة من أقدم وأهم مصافي إيران، حيث تنتج أكثر من 400 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة. ما يجعلها شرياناً اقتصادياً للجنوب الإيراني. وقد أدى الهجوم إلى إيقاف جزئي للتشغيل، وأثار مخاوف من عرقلة توزيع الوقود المحلي داخل إيران، خاصة في ظل محدودية البدائل السريعة.

كما أقدمت اسرائيل على مهاجمة مستودع شهران (Shahran) للوقود والغاز، شمال غرب وسط طهران. ويتخذ استهداف هذا المستودع اهميةً كونه أحد أكبر مراكز تخزين وتوزيع الوقود في طهران.ذ تبلغ سعته نحو 260 مليون لتر موزعة على 11 خزاناً. ويلعب المستودع دوراً حيوياً في شبكة توزيع الوقود في العاصمة. حيث يوزع انطلاقاً منه البنزين والديزل ووقود الطائرات على محطات شمال طهران ومطاراتها.

استبعاد جزيرة خرج

ولم تسلم مصفاة شهر ري (Shahr Rey) من الهجمات الإسرائيلية، وهي على غرار مصفاة عبادان، واحدة من أكبر وأقدم مصافي النفط في إيران، تقع إلى الجنوب من طهران، وتديرها شركة طهران لتكرير النفط المملوكة للدولة. تعمل هذه المصفاة بطاقة تكرير تبلغ حوالي 225 ألف برميل يومياً، وتنطلق منها معظم الأعمال اللوجستية المتعلقة بالوقود. الأمر الذي يجعل من استهدافها سبباً لإعاقة وتأخير عمليات النقل والانتقال، في أكثر مناطق إيران اكتظاظاً بالسكان وأهمها اقتصادياً.

وفيما كان من بين السيناريوهات الإسرائيلية المعلنة، فيما لو استمرت حربها على إيران، ضرب كل ما يوفر إيرادات مالية لإيران تمكنها من تسريع نشاطها النووي، جاء استبعاد جزيرة خرج الإيرانية من بين الأهداف التي ضربتها إسرائيل، ليدحض مزاعمها. ذلك أن 90 في المئة من صادرات النفط الإيراني تتم عبر هذه الجزيرة، وهي تتشكل من كتلة مرجانية صغيرة تقع إلى الشمال من الخليج العربي قبالة الساحل الإيراني، مما يجعلها هدفاً سهلاً لأي عدوان.

تناقض الأهداف والنتائج

لقد اقتصرت الهجمات الإسرائيلية على تعطيل بعض المصافي أو منشآت التخزين والتوزيع. دون تدمير حقول النفط والغاز أو البنى التحتية الحيوية المرتبطة بالتصدير، كجزيرة خرج مثلاً، التي تُعد شريان النفط الإيراني إلى الخارج. وبهذا، يُمكن القول إن ما حققته إسرائيل حتى الآن لم يتجاوز محاولة عرقلة جزئية لتوزيع المشتقات النفطية داخل إيران. دون إحداثها اختلالاً جذرياً في قدراتها الإنتاجية أو صادراتها النفطية. ولذلك، يبقى البُعد الاقتصادي في هذه الحرب حاضراً كدافع، لكنه لم يتحقق كأثر فعلي واسع حتى الآن.

باحث في الشؤون الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى