هل يحل الليثيوم مشاكل الاندماج النووي: «قصف النيوترونات» وتوليد الوقود؟

يشكل إعلان هيئة الطاقة الذرية البريطانية  (UKAEA)، توفيرَ التمويل لتطوير حلول حماية مستدامة لبيئات الاندماج النووي، مؤشراً على تصاعد السباق الدولي للوصول إلى المحطات الكهربائية الاندماجية. ومن هذه الحلول مشروع بحثي لشركة First Light Fusion لاختبار استخدام الليثيوم لاحتواء النيوترونات.

يكتسب مشروع الشركة، الذي أُطلق عليه  Natural Lithium Shielding، أهميته لأنه يسعى لتجاوز إحدى أكبر العقبات أمام الانتقال من المفاعلات البحثية إلى محطات الاندماج التجارية. فبينما سجلت المفاعلات البحثية اختراقات باهرة في تحقيق الاشتعال الذاتي والتحكم بالبلازما، تبقى النيوترونات عالية الطاقة التحدي الهندسي الأصعب، وذلك بسبب قدرتها على اختراق جدران المفاعل وإلحاق أضرار بنيوية وإشعاعية طويلة الأمد.

حماية وتوليد ذاتي للوقود

يركز المشروع، وهو واحد من 11 مشروعاً تم تمويله، على مفاعلات الاندماج بالقصور الذاتي (Inertial Confinement Fusion – ICF)، والتي تختلف في متطلبات الحماية عن مفاعلات الحبس المغناطيسي التقليدية. ففي هذا النوع من المفاعلات، يكون مصدر النيوترونات أكثر تركيزاً، ما يسمح نظرياً بإحاطته بدرع سميك وقريب من نقطة التفاعل.

إقرأ: طاقة الاندماج النووي: سباق أميركي صيني على «صناعة الشمس» (1 من 5)

ووفق التصور الهندسي للمشروع، يُفترض أن يحقق الليثيوم الطبيعي عدة وظائف متزامنة، أبرزها:

  • توفير الحماية من النيوترونات وأشعة غاما.
  • امتصاص طاقة النيوترونات وتحويلها إلى حرارة.
  • إنتاج التريتيوم اللازم لاستمرار التفاعل.
  • تقليص الأضرار الإشعاعية التي تطال جدران المفاعل، وخفض الأثر البيئي لدورة حياة المحطة.

وتشير الحسابات الأولية التي أجرتها الشركة إلى أن الليثيوم قد يكون قادراً على أداء هذه الأدوار مجتمعة. وهي تخطط لدراسة إمكانية إنشاء بطانة داخلية سميكة وديناميكية من الليثيوم الطبيعي المعاد تدويره، عبر أبحاث تشمل فيزياء النيوترونات، وميكانيكا الصدمات، والهندسة، إضافة إلى سيناريوهات التفكيك وإدارة النفايات في نهاية عمر المفاعل.

وقال كريستيان برادلي، قائد فريق تصميم المفاعلات في الشركة والمشرف على المشروع، إن نتائج هذا العمل «ستسهم بشكل مباشر في تسريع تطوير طاقة الاندماج».

من الفيزياء إلى الصناعة

يعكس المشروع توجّهاً أوسع داخل بريطانيا وأوروبا نحو معالجة عنق الزجاجة الهندسي في مسار الاندماج النووي، حيث لم تعد الفيزياء وحدها هي التحدي، بل كيفية بناء مفاعلات قابلة للتشغيل الآمن، وبكلفة مقبولة، وبأثر بيئي منخفض.

إقر أيضاً: طاقة الاندماج النووي: أنواع المفاعلات وطرق الاندماج  (5 من 5)

تُعدّ النيوترونات عالية الطاقة التحدي الهندسي الأكثر تعقيداً في مفاعلات الاندماج النووي، ولا سيما في المفاعلات التي تعتمد تفاعل الديوتيريوم–التريتيوم (D–T)، حيث تخرج غالبية طاقة التفاعل على شكل نيوترونات بطاقة تقارب 14 ميغا إلكترون فولت. وتكمن الإشكالية الجوهرية في أن هذه النيوترونات غير مشحونة كهربائياً، ما يجعلها عصيّة على الحصر أو التوجيه باستخدام الحقول المغناطيسية التي تُستخدم لاحتجاز البلازما نفسها.

وبمجرد تولّدها، تنطلق النيوترونات في جميع الاتجاهات بسرعات هائلة، مخترقةً جدران حجرة التفاعل والبطانات الداخلية والبنى المعدنية للمفاعل. ومن دون حلول امتصاص وإبطاء فعّالة، تصل هذه النيوترونات حتمًا إلى الجدران الإنشائية، متسببةً بأضرار تراكمية خطيرة. وتشمل الأضرار إزاحة الذرات من مواقعها البلورية، إضعاف الخصائص الميكانيكية للمواد. إضافة إلى الهشاشة الإشعاعية والتشققات التي تُقصّر العمر التشغيلي للمفاعل وترفع كلفة الصيانة والاستبدال.

إلى جانب التلف البنيوي، يؤدي اصطدام النيوترونات بالمواد إلى ما يُعرف بـ «التفعيل الإشعاعي»، حيث تتحول بعض المواد المستقرة إلى مواد مشعّة. ورغم أن نفايات الاندماج أقل خطورة وأقصر عمراً من نفايات الانشطار النووي، فإن هذه الظاهرة تقوّض أحد أهم وعود الاندماج ما لم يتم التحكم بها هندسياً، عبر اختيار المواد وتصميم الدروع المناسبة.

من عنصر تدمير إلى مورد طاقي وصناعي

من هنا، لا يُنظر إلى دروع أو بطانات المفاعل (Blankets) على أنها مجرد حواجز واقية، بل كنظام هندسي متعدد الوظائف، يُفترض به امتصاص النيوترونات ومنع وصولها إلى الجدران، وتحويل طاقتها الحركية إلى حرارة قابلة للاستخدام في توليد الكهرباء، وفي الوقت نفسه إنتاج التريتيوم اللازم لاستمرار دورة الوقود، وإطالة عمر المفاعل، وخفض حجم النفايات الإشعاعية والأثر البيئي لدورة الحياة الكاملة للمحطة.

إقرأ: سباق الاندماج النووي: متى يغادر العرب مقاعد المتفرجين؟

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية لأنها تحوّل النيوترونات من عنصر تدميري إلى مورد طاقي وصناعي في آن واحد. إذ لا يقتصر الاستفادة منه على استخدام الحرارة الناجمة عن حركة النيوترونات لإنتاج الكهرباء في محطات الاندماج، بل إن التدفقات النيوترونية المُتحكم بها تفتح آفاقًا لتطبيقات صناعية متقدمة، مثل اختبار المواد المتطورة، وتطوير سبائك مقاومة للإشعاع، إضافة بالطبع إلى تطبيقات طبية وبحثية في مجالات إنتاج النظائر المشعة والعلاج الإشعاعي.

وبهذا المعنى، لا يتوقف نجاح الاندماج النووي عند تحقيق إشعال البلازما داخل المختبر، بل عند القدرة على السيطرة على النيوترونات والاستفادة منها. فالفيزياء تفتح الباب، لكن هندسة المواد والدروع هي التي تحدد ما إذا كان الاندماج سيبقى إنجازاً علمياً، أم يتحول إلى صناعة طاقة تجارية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى