«هيئة البترول» اللبنانية: مجلس إدارة مكتمل… وصلاحيات منقوصة
إعادة تشكيل مجلس إدارة هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان، ليست تفصيلاً إدارياً عابراً، بل قرار مهم في توقيته، وقرار حكيم في مضمونه. بانتظار القرار الجريء في أبعاده، بتوسيع صلاحيات الهيئة لتصبح أقرب إلى هيئة ناظمة، وليس مجرد هيئة استشارية.
يأتي القرار بعد سنوات من مواصلة مجلس الإدارة العمل بتركيبة منقوصة بسبب انتهاء ولايته القانونية واستقالة ثلاثة من أعضائه الستة، ويعود السبب للتجاذبات السياسية والتوازنات الحزبية والطائفية. واليوم، فإن تجاوز تلك العقد يشكل مؤشراً إلى إدراك أهمية إعادة انتظام البنية المؤسسية للقطاع، وذلك بغض النظر عن الدوافع، سواء كانت «صحوة إصلاحية» داخلية، أم ضغوط خارجية تتعلق ربما بتزايد اهتمام الشركات الأميركية بغاز شرق المتوسط عموماً، وغاز سوريا ولبنان تحديداً.
لماذا القرار مهم؟
تكمن أهمية القرار في أنه يعيد الانتظام إلى عمل إحدى أبرز حلقات إدارة وحوكمة قطاع البترول. فهيئة إدارة قطاع البترول، ورغم القصور الكبير في صلاحياتها كهيئة ناظمة، لعبت منذ إنشائها قبل نحو 15 عاماً بموجب القانون 132/2010، دور «بيت الخبرة» التقني والقانوني والاقتصادي للدولة في ملف النفط والغاز. وتولّت رفع توصيات محددة ودقيقة لوزراء الطاقة حول اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج، وتأهيل الشركات، وإدارة دورات التراخيص، والتفاوض مع الشركات، ومتابعة تنفيذ العقود والاتفاقيات إلخ…
وتزداد أهمية الدور الذي تلعبه الهيئة في ظل حالة الشغور الكبيرة في وزارة الطاقة وعدم توافر الكوادر البشرية المؤهلة. ما يعني أن إعادة ملء المقاعد الشاغرة في مجلس الإدارة يسهم في استعادة الهيئة الحد الأدنى من التوازن المؤسسي. ويعزز قدرتها على تحمل مسؤولياتها كجهةٍ وحيدةٍ تقريباً مؤهلةٍ لتوفير المقومات اللازمة لإدارة القطاع.
لماذا هو قرار حكيم؟
وصف القرار بالحكيم يستند إلى ما يُفهم ضمناً من قراءة ما بين السطور، بأنه يقضي بالتجديد لأعضاء مجلس الإدارة الثلاثة الذين «صمدوا» في مواقعهم. إذ نص الإعلان على فتح باب الترشيح للوحدات الثلاثة التي استقال الأعضاء الذين كانوا مسؤولين عنها، وهي: التخطيط الاستراتيجي، والشؤون الفنية والهندسية، والصحة والسلامة والبيئة.
وتتضح صفة الحكمة بالنظر إلى الحقائق التالية:
- ضمان الاستمرارية المؤسسية: الملفات البترولية بطبيعتها تراكمية ومعقدة، وتتعلق بعقود طويلة الأمد، وبالتزامات قانونية وتشغيلية دقيقة مع شركات دولية. واستبدال المجلس كاملاً، كان سيعني عملياً إعادة تشغيل الهيئة من الصفر، بما يحمله ذلك من مخاطر تعطيل وتأخير.
ولذلك فإن وجود الأعضاء الحاليين يشكل عنصر استقرار، ويسمح بانتقال سلس للمعرفة والخبرة إلى الأعضاء الجدد. كما يسهم في تحقيق تفاعل خلاق بين خبرات ومعارف الأعضاء الجدد والقدامى.
- الخبرة في خدمة التطوير: يواجه لبنان تحدياً جوهرياً يتمثل في الإحجام المزمن للشركات الكبرى عن المشاركة في دورات التراخيص. وأي معالجة لهذه المعضلة، سواء عبر تعديل الإطار التنظيمي أو مراجعة بعض شروط وبنود اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج، تحتاج إلى فهم دقيق لتوازنات المخاطر بين الدولة والشركات. خاصة وأن لبنان لا يمتلك تاريخاً نفطياً ولم يحقق اكتشافات تجارية حتى الآن.
وهنا تبرز قيمة الخبرة المتراكمة لدى الأعضاء الحاليين في إثراء النقاش التقني والسياسي الحساس. خاصة وأنهم شاركوا في صياغة الإطار التنظيمي واتفاقيات الاستكشاف والإنتاج، ما يجعلهم طرفاً أساسياً في أي عملية تطوير مدروسة.
من يأخذ القرار الجريء؟
قرار إعادة تشكيل مجلس إدارة الهيئة يشكل مناسبة للانتقال من القراءة بين سطوره إلى القراءة في ملف الهيئة، وطرح تساؤلات ملحة ومشروعة، أهمها:
- متى يصل قطار الإصلاح وإنشاء الهيئات الناظمة إلى قطاع البترول؟
- ما الذي يمنع التنفيذ التدريجي لتوسيع صلاحيات الهيئة، بما يشكل احتراماً للدستور ولصلاحيات الوزير في ملف البترول بالغ الحساسية. فيتم كخطوة أولى طرح تعديل نظام تأسيس الهيئة بإيجاد حل لوضعها الملتبس قانونياً وإدارياً، بين هيئة ناظمة نظرياً وهيئة استشارية عملياً؟
- لماذا لا يتم توسيع صلاحيات الهيئة في المجالات التشغيلية بما يعزز كفاءة وسلاسة الأداء، ولا يؤثر على مركزية القرار في القضايا الأساسية والحساسة؟. وتشمل هذه المجالات على سبيل المثال: فتح وإقفال دورات التراخيص، وتعيين البلوكات المطروحة للتلزيم، والتفاوض مع الشركات. وقد تشمل أيضاً تعزيز استقلاليتها الإدارية والمالية وتحصينها ضد الضغوط السياسية، إلخ…
الخلاصة
إذا اقتصر المسار الحالي على إعادة تشكيل مجلس إدارة الهيئة، يكون القرار مهماً وحكيماً. أما إذا استُكمل بتعديل الإطار القانوني وتوسيع الصلاحيات، فسيكون ذلك قراراً جريئاً وتاريخياً. وقد يشكل نقطة تحول حقيقية في حوكمة قطاع البترول في لبنان.
إن تطوير النموذج لا يعني سحب القرار من السلطة السياسية. بل إعادة توزيع الأدوار بما يعزز الكفاءة والشفافية، ويحصّن القطاع من التقلبات السياسية.



