وكالة الطاقة الدولية: أزمة هرمز تنعش الاستثمار في الفحم والغاز

توقعت وكالة الطاقة الدولية أن تؤدي أزمة مضيق هرمز والصراع في الشرق الأوسط إلى تغييرات عميقة في أولويات الاستثمار بقطاع الطاقة عالمياً. ورأت ان الأزمة ستنعش الاستثمار في الفحم والغاز الطبيعي. كما ستترك آثاراً طويلة الأمد شبيهة بالتحولات التي أعقبت الصدمات النفطية في سبعينيات القرن الماضي.

وقالت الوكالة في تقريرها السنوي “الاستثمار العالمي في الطاقة 2026” إن أزمة أمن الطاقة الحالية، الناتجة عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، دفعت الحكومات والشركات إلى إعادة تقييم مخاطر الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وإلى تسريع خطط تنويع مصادر الطاقة ومسارات الإمداد.

إقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفط: أسطورة الإغلاق ودرس حرب الناقلات في الثمانينيات

ويأتي ذلك بعد أقل من خمس سنوات على أزمة الطاقة التي تلت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. ما يعني أن العالم يواجه ثاني أزمة كبرى لأمن الطاقة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. الأمر الذي يدفع المستثمرين وصناع القرار إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم طويلة الأجل.

تطوير خطوط الأنابيب

وقال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إن العالم يعيش أكبر أزمة لأمن الطاقة في تاريخه. وتوقع أن تؤدي إلى تغييرات جوهرية في استراتيجيات الاستثمار على مستوى المنتجين والمستهلكين على حد سواء. وأضاف أن الدول تسعى إلى تنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة عبر تطوير خطوط الأنابيب والبنية التحتية للإمدادات من جهة. وإلى التوسع في استغلال الموارد المحلية من جهة أخرى، سواء كانت مصادر متجددة أو نووية أو حتى فحم ونفط وغاز في بعض الحالات.

وبحسب التقرير، من المتوقع أن يبلغ إجمالي الاستثمارات العالمية في الطاقة نحو 3.4 تريليونات دولار خلال عام 2026، منها 2.2 تريليون دولار مخصصة لشبكات الكهرباء والتخزين والطاقة المتجددة والطاقة النووية وكفاءة الطاقة والوقود منخفض الانبعاثات. مقابل 1.2 تريليون دولار لقطاعات النفط والغاز والفحم.

ورغم الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال الأزمة الحالية، تتوقع الوكالة تراجع الاستثمارات النفطية للعام الثالث على التوالي إلى أقل من 500 مليار دولار. وترى أن حالة عدم اليقين بشأن مدة الأزمة، وطول فترة تطوير المشاريع الجديدة، وارتفاع تكاليف الخدمات البحرية وسلاسل الإمداد، تحد من استجابة الشركات خارج الشرق الأوسط لارتفاع الأسعار.

في المقابل، يتوقع التقرير ارتفاع الاستثمارات في الغاز الطبيعي إلى 330 مليار دولار، وهو أعلى مستوى خلال عقد كامل، مدفوعة بموجة جديدة من مشاريع تصدير الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً في الولايات المتحدة وقطر. ويعكس ذلك استمرار النظر إلى الغاز باعتباره وقوداً انتقالياً وعنصراً أساسياً في تعزيز أمن الإمدادات خلال فترات الاضطراب.

الاسثتمار في الفحم والطاقة النووية

كما يسلط التقرير الضوء على تنامي اهتمام الدول المستوردة للطاقة بالموارد المحلية المتاحة، بما في ذلك الطاقة المتجددة والطاقة النووية، وفي بعض الحالات الفحم. ومن المتوقع أن تصل الاستثمارات في مشاريع الطاقة المتجددة إلى نحو 665 مليار دولار خلال العام الجاري، منها 365 مليار دولار للطاقة الشمسية وحدها، فيما تجاوزت الاستثمارات السنوية في الطاقة النووية 80 مليار دولار مع وجود نحو 80 غيغاواط من القدرات النووية الجديدة قيد الإنشاء في 15 دولة.

خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: إغلاق ملتبس ومشاريع غير قابلة للتنفيذ (1 من 2)

وفي مؤشر لافت، تتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الاستثمارات في الفحم إلى 180 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2012، مع استحواذ الصين وحدها على نحو 70% من الإنفاق العالمي في هذا القطاع. كما تشير الوكالة إلى احتمال لجوء بعض الدول الآسيوية المتضررة من أزمة هرمز إلى تمديد عمر محطات الفحم القائمة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات البحرية.

وتؤكد الوكالة أن الاستثمار في الكهرباء أصبح العنوان الأبرز في مشهد الطاقة العالمي، إذ من المتوقع أن يصل الإنفاق على إنتاج الكهرباء وشبكاتها إلى نحو 1.6 تريليون دولار، ويرتفع إلى تريليوني دولار عند احتساب مشاريع كهربة الاستخدامات النهائية. كما يتوقع أن يقترب الإنفاق على شبكات الكهرباء من 550 مليار دولار، فيما تتجاوز الاستثمارات في بطاريات التخزين 100 مليار دولار لأول مرة.

أزمة مضيق هرمز: نقطة تحول

وترى وكالة الطاقة الدولية ان أزمة مضيق هرمز لا تغير فقط أولويات الاستثمار، بل تزيد أيضاً من صعوبة تمويل المشاريع المستقبلية. إذ أدت التقلبات المالية المصاحبة للأزمة إلى رفع كلفة التمويل وتأخير بعض قرارات الاستثمار، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة والنامية التي تواجه أصلاً تكاليف اقتراض مرتفعة مقارنة بالدول المتقدمة.

ويخلص التقرير إلى أن أزمة هرمز الحالية لا تقتصر على كونها أزمة إمدادات مؤقتة، بل تمثل نقطة تحول جديدة في تاريخ أسواق الطاقة العالمية، قد تدفع الدول إلى إعادة بناء استراتيجيات أمن الطاقة على أسس أكثر تنوعاً ومرونة، تماماً كما حدث بعد الصدمات النفطية التي شهدها العالم قبل نصف قرن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى