أسعار النفط والتصعيد الأميركي – الإيراني: صدمة حقيقية أم أثر نفسي؟

مع تصاعد الحديث عن ضربة أميركية محتملة لإيران، عاد ملف أمن إمدادات النفط وأسعاره إلى واجهة التحليلات. لكن القراءة المتأنية، تُظهر أن التصعيد العسكري لا يترجم تلقائياً إلى صدمة نفطية مستدامة. وبالنظر إلى السيناريوهات العديدة المحتملة، يتبين أن هناك سيناريو واحداً قد يؤثر فعلاً على أسعار النفط، وهو حرب كبرى تؤدي إلى إسقاط النظام، وإغلاق كامل ولفترة طويلة لمضيق هرمز. كما يتبين أنه سيناريو مستبعد في شقه السياسي ـ العسكري، وضعيف التأثير في شقه النفطي.

إلى جانب سيناريو التسوية المحتمل، هناك العديد من السيناريوهات للضربة الأميركية وللرد الإيراني. وتتراوح بين ضربة محدودة تستهدف البرنامج النووي فقط، أو تتوسع لتشمل منصات الصواريخ ومخازنها ومصانعها، أو ضربة كبيرة تستهدف أيضاً مرافق البنية الأساسية ومنشآت النفط، إضافة إلى أركان النظام مع حركات داخلية منسقة لإسقاطه.

وكل واحد من هذه السيناريوهات يستدعي رداً إيرانياً، يتراوح بين «عدم الرد» أو رشقات صاروخية على إسرائيل، أو ضربات «متفق عليها» ومنسقة سلفاً لبعض القواعد الأميركية، كما حدث في استهداف قاعدة العديد في قطر.

لا تأثير لغالبية السيناريوهات على أسعار النفط

بعكس الانطباع السائد، يُستبعد أن تؤدي كل هذه السيناريوهات، باستثناء واحد فقط، إلى اضطراب فعلي في إمدادات النفط. وذلك ما ثبت بالتجربة طوال الفترة الماضية التي شهدت مختلف أنواع المواجهات، بما فيها الاستهداف المباشر لناقلات النفط في البحر الأحمر. وكان تأثيرها على أسعار النفط محدوداً ومؤقتاً، ولا يتجاوز علاوة مخاطر تتراوح بين 3 و5 دولارات، وفق تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس.

إقرأ أيضاً: ضرب النفط الإيراني: مؤشر لتسوية قسرية أم لإسقاط النظام؟

والسيناريو الذي قد يُحدث صدمة كبيرة ولكن مؤقتة في أسواق النفط، هو تجاوز إيران نقطة اللاعودة إذا استشعرت تهديداً جدياً بقرب انهيار النظام، واعتماد المواجهة الشاملة باستهداف القواعد والقطع البحرية الأميركية، ومنشآت النفط في دول الخليج، ومحاولة إغلاق مضيق هرمز. مع التذكير بأن حتى انهيار الدولة أو دخولها في فراغ سياسي، لا يعني بالضرورة توقف إنتاج النفط وتصديره، وهو ما تؤكده تجارب سابقة في العراق وليبيا وغيرها.

أما السيناريو الأكثر «رعباً» وتأثيراً، ليس على أسعار النفط فقط بل على الاستقرار في المنطقة، فهو نجاح إيران في تحويل الأزمة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد مع أميركا. وهو بمثابة «كابوس» لدول المنطقة، و«كارثة» سياسية لأميركا.

مضيق هرمز: السيناريو الأكثر تداولاً… والأقل احتمالاً

يُعتبر إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت النفط في دول الخليج السيناريو الأكثر إثارة إعلامياً و«تهويلاً»، لكنه في الواقع الأقل ترجيحاً. فاستهداف منشآت النفط الخليجية بشكل مؤثر فعلاً ليس بالمهمة السهلة من الناحية العسكرية. أما الاستهدافات الممكنة والجزئية، فتأثيرها محدود على تدفق النفط. ويمكن إصلاح الأضرار خلال فترة قياسية، كما حدث في ضربة منشآت أرامكو، أو في الضربة التي أدت إلى تدمير محطتين للضخ في خط أنابيب النفط شرق–غرب في 14 مايو 2019. إذ أعلنت أرامكو استئناف تشغيل الخط صبيحة يوم 16 مايو، أي خلال أقل من 48 ساعة.

لماذا هو خيار مستبعد؟

بالنسبة لإغلاق مضيق هرمز، فهناك شكوك كبيرة في قدرة إيران العسكرية على فرض إغلاق كامل ومستدام للمضيق، في ظل الوجود الكثيف للأسطول الأميركي. وحتى زرع الألغام أو تنفيذ عمليات إزعاج بحري واستهداف بعض الناقلات، قد يؤدي إلى تعطيل جزئي ومؤقت، لا إلى شلّ الملاحة بالكامل. وبالتالي فإن تأثيره على كفاءة الإمدادات والأسعار يبقى محدوداً.

يضاف إلى ذلك أن تعرض إيران لأمن الملاحة في مضيق هرمز يستجلب رداً دولياً شاملاً. وتصبح المواجهة مع المجتمع الدولي وليس مع أميركا فقط. وحتى الصين ستكون في طليعة الدول الرافضة لإغلاق المضيق، لأنها المتضرر الأول. إذ تستأثر الصين بنحو نصف صادرات النفط عبر مضيق هرمز، البالغة نحو 20 مليون برميل يومياً. وهي تعتبر وارداتها من دول الخليج في صلب استقرارها الطاقوي والاقتصادي، ولن تقبل بسيناريو يخلق ضرراً بالغاً لها مقابل مكاسب سياسية محدودة لطهران.

كما أن إيران نفسها ستكون المتضرر الأول، بخسارة موردها الرئيسي للعملات الصعبة، إذ تُقدَّر صادراتها النفطية بحوالي 1.5  مليون برميل يومياً، معظمها يذهب إلى الصين.

لماذا هو خيار محدود الأثر؟

حتى في حال وقوع اضطراب حاد في مضيق هرمز، فإن الأثر الفعلي على الإمدادات العالمية سيكون أقل مما يُتداول عادة، بسبب امتلاك غالبية دول الخليج مسارات تصدير بديلة. وبسبب وجود مخزونات ضخمة لدى الدول المستهلكة، ووجود طاقات إنتاجية فائضة. ويكفي مثلاً زيادة إنتاج تحالف «أوبك بلس» والتساهل في تطبيق العقوبات على روسيا لتوفير إمدادات إضافية تغطي أي نقص محتمل.

إقرأ أيضاً: هلال للقاهرة الإخبارية: إيران لن تقدم على إغلاق مضيق هرمز

ومعروف مثلاً أن السعودية تمتلك خط أنابيب شرق–غرب إلى البحر الأحمر بطاقة تشغيلية تقارب 6.5  ملايين برميل يومياً، ودولة الإمارات تعتمد على خط حبشان–الفجيرة بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يومياً، والعراق يمتلك مسارين للتصدير إلى ميناء جيهان التركي بطاقة مشتركة تقارب 750 ألف برميل يومياً.

صدمة نفسية… لا أزمة إمدادات

الخلاصة أن أي تصعيد أميركي–إيراني سيبقى، في معظم السيناريوهات، مولّداً لصدمة نفسية أكثر منها مادية. الأسواق ستتفاعل سريعاً، وقد تشهد الأسعار قفزات حادة يستغلها المضاربون، لكن من دون خلل حقيقي ومستدام في الإمدادات، ستعود أساسيات العرض والطلب لتفرض سقفاً على الأسعار.

أسواق النفط باتت أكثر تنوعاً، وأكثر مرونة، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات. ومن هنا، فإن الرهان على ارتفاعات طويلة الأمد في الأسعار، بناءً على سيناريوهات تصعيد غير مؤكدة، يبقى رهاناً سياسياً وإعلامياً أكثر منه اقتصادياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى