أوروبا والاندماج النووي: اختبار الانتقال من «التنظير» إلى التصنيع

في لحظة تتسارع فيها الاستثمارات العالمية في تقنيات الاندماج النووي، وجهت الصناعة الأوروبية رسالة واضحة إلى صناع القرار في بروكسل: إما الانتقال من مرحلة البحث إلى التصنيع، أو خسارة أوروبا سباق الطاقة الأكثر طموحا في القرن الحادي والعشرين.

هذه الرسالة الحاسمة حملها بيان صدر عن جلسة استماع عقدت في البرلمان الأوروبي في 27 يناير، وشارك فيها، إلى جانب النواب، ممثلون عن شركات الاندماج النووي وجمعية صناعة الاندماج  Fusion Industry Association.

بياترو بارباتشي مدير عام مشروع إيتر

وجاء هذا النداء متزامنا مع عمل المفوضية الأوروبية على صياغة استراتيجية خاصة بالاندماج، يفترض أن تتبعها خطة تنفيذية واضحة تحدد الإطار التنظيمي، وآليات تقاسم المخاطر، وأدوات التمويل القادرة على جذب رأس المال الخاص.

وعبّر عن التحول اللافت في الخطاب الأوروبي عضو البرلمان باسكال أريمونت بقوله: «لم يعد الاندماج النووي مشروعاً علمياً، بل فرصة صناعية لأوروبا، يمكنها أن تخدم ثلاثة أهداف في آن واحد هي: طاقة نظيفة، أمن الإمدادات، وقاعدة صناعية تنافسية».

أولوية سياسية وتنظيم خاص للاندماج

وذلك ما عبر عنه البيان المشترك بالدعوة إلى التعامل مع الاندماج النووي كأولوية استراتيجية، لا كمجال بحثي طويل الأمد. وشدد الموقعون على ضرورة إرساء إطار تنظيمي أوروبي يميز بوضوح بين الاندماج النووي والانشطار النووي. ما يسمح للدول الأعضاء بتبني أنظمة ترخيص مرنة، أقرب إلى تلك المعتمدة في تقنيات مسرعات الجسيمات، بدل إخضاع الاندماج للقواعد الصارمة المفروضة على المفاعلات النووية التقليدية.

إقرأ: طاقة الاندماج النووي: سباق أميركي صيني على «صناعة الشمس» (1 من 5)

وتصر شركات الاندماج ومؤسسات التمويل على فصل تنظيمي واضح بين الاندماج والانشطار النووي، نظرا لاختلاف المخاطر وطبيعة التكنولوجيا. فالإجراءات الطويلة والمكلفة لترخيص المفاعلات النووية التقليدية قد تخنق ابتكار الاندماج في مهده. ومن هنا، تدعو الصناعة إلى تصنيف مستقل ضمن قانون الصناعات ذات الانبعاثات الصفرية. وكذلك ضمن نظام التصنيف الأوروبي للاستدامة، بما يتيح الوصول إلى أدوات تمويل ملائمة دون منافسة مباشرة مع الطاقات المتجددة.

واريك ماثيو رئيس شركة توكاماك إنيرجي

فجوة التمويل… المؤشر الأخطر

كما طالبت الصناعة الأوروبية بنموذج تمويل جديد، محايد تقنياً وقائم على تحقيق إنجازات مرحلية قابلة للقياس، بحيث يتم ربط التمويل العام بالتقدم الفعلي في تحقيق إنجازات هندسية وتكنولوجية. ما يحفز بالتالي الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بدل الاكتفاء بمنح ومعونات بحثية لا تقود بالضرورة إلى نماذج قابلة للتصنيع.

وعلى اختلاف المقاربات التقنية، تجمع الشركات الأوروبية على أن غياب إطار تنظيمي واضح وتمويل مرحلي مرتبط بإنجازات تقنية محددة يمثل العائق الأكبر أمام تسريع المسار للوصول إلى المفاعلات الاندماجية التجارية. فالنموذج الأوروبي لا يزال يميل إلى تمويل البحث طويل الأمد، بينما تتطلب مرحلة ما قبل المفاعلات التجارية أدوات مختلفة، تقوم على تقاسم المخاطر، ودعم النماذج التجريبية، وربط التمويل بأهداف أداء محددة زمنيا.

فجوة كبيرة مع أميركا والصين

تأتي هذه الدعوات في وقت تظهر فيه الأرقام اختلالاً متزايداً في توزيع الاستثمارات بين الدول. فقد استحوذت الولايات المتحدة على الحصة الأكبر من الاستثمارات الخاصة خلال السنوات الأخيرة. وذلك بفضل بيئة تنظيمية مرنة وبرامج دعم حكومية موجهة نحو التسويق التجاري. أما حصة أوروبا فقد تراجعت نسبياً، رغم امتلاكها قاعدة علمية وبحثية عريقة، وشبكة جامعات ومختبرات تعد من الأفضل عالمياً.

طاقة الاندماج النووي: أنواع المفاعلات وطرق الاندماج  (5 من 5)

وتكشف بيانات التمويل عن جوهر القلق الأوروبي. فحتى نهاية عام 2025، استقطب قطاع الاندماج النووي عالمياً نحو 13 مليار يورو. ذهب منها 6.9 مليارات إلى شركات أميركية، و4.4 مليارات إلى شركات صينية. بينما لم تتجاوز حصة الشركات الأوروبية الثماني، 712 مليون يورو ، أي أقل من 5 في المئة من الإجمالي. ولا تعكس هذه الفجوة ضعفاً تقنياً بقدر ما تعكس تردداً سياسياً ومالياً في تحمل المخاطر المبكرة.

قادة شركة مارفل فيوجن: هايك فروند، جورج كورن، مورتيز فون دير ليندين

تمويل عام وخاص «بالقطّارة»

ويحذر ممثلو الصناعة من أن استمرار هذا النهج سيحول أوروبا إلى مركز اختبار علمي، فيما تنتقل الملكية الفكرية والتصنيع والوظائف عالية القيمة إلى خارج القارة.

وتقر المفوضية الأوروبية بهذا التحدي. فقد أكدت مفوضة الأبحاث إيكاترينا زاهارييفا أن الاستراتيجية المقبلة يجب أن تفضي إلى «إجراءات قابلة للتنفيذ لا وعود عامة». ورغم تخصيص 240 مليون يورو لأبحاث الاندماج خلال عامين ضمن برنامج «يوراتوم»، و40 مليون يورو عبر المجلس الأوروبي للابتكار لدعم الشركات الناشئة، تبقى هذه الأرقام متواضعة مقارنة بحجم السباق العالمي.

وينطبق ذلك إلى حد كبير على برامج وخطط التمويل الوطنية. ومع أن ألمانيا أعلنت نيتها استثمار أكثر من ملياري يورو بحلول عام 2029. إلا أن قادة الصناعة يجمعون على أن المطلوب أوسع من مبادرات وطنية متفرقة. فوفق لوسيو ميلانيزي، الشريك المؤسس لشركة «بروكسيما فيوجن»، يحتاج القطاع إلى نحو 10 مليارات يورو خلال دورة الميزانية الأوروبية المقبلة. معتبراُ أن نحو 70 في المئة منها يجب أن تأتي من القطاع الخاص، وهو أمر مستحيل من دون إشارات التزام قوية من الاتحاد الأوروبي.

سلاسل التوريد: نقطة الضعف والفرصة

ما يحدث على مستوى التمويل، يتكرر على مستوى سلاسل توريد مكونات المفاعلات والوقود والخدمات. فقد بات مؤكداً عدم فعالية وجدوى قيام كل شركة بتصنيع جميع المكونات. وفي حين قطعت الصين والولايات المتحدة شوطاً مقبولاً في خلق سلاسل إمداد لصناعة الاندماج، لا تزال أوروبا في مؤخرة الركب. علماً أن هذا التحدي يحمل في طياته فرصاً استثمارية ضخمة، من إنتاج الوقود، إلى تطوير المكونات، وبخاصة المغناطيسات فائقة التوصيل عالية الحرارة  (HTS). وهذه المغناطيسات لا تقتصر تطبيقاتها على الاندماج، بل تمتد إلى الطب ونقل الطاقة وصناعة السيارات والفضاء، إلخ.

الشركات الأوروبية: تقنيات متنوعة … وتحديات مشتركة

يعكس مشهد الشركات الأوروبية والبريطانية العاملة في مجال الاندماج النووي تنوعاً تقنياً لافتاً. لكنه يكشف في الوقت نفسه وحدة في التحديات التي تواجه الانتقال من المفاعلات البحثية إلى التجارية.

إقرأ: سباق الاندماج النووي: متى يغادر العرب مقاعد المتفرجين؟

في بريطانيا، تقود شركة  Tokamak Energy نهج التوكاماك الكروي المعتمد على مغناطيسات فائقة التوصيل عالية الحرارة  (HTS). في محاولة لتقليص حجم المفاعل وتسريع الوصول إلى نموذج قابل للتصنيع التجاري. في المقابل، تراهن First Light Fusion على مقاربة مختلفة جذريا، تقوم على الاندماج بالقصور الذاتي عبر مقذوفات فائقة السرعة تحدث موجات صدمة تضغط وقود الاندماج لحظياً، في نموذج يستبدل الليزر عالي الكلفة بحلول ميكانيكية أكثر بساطة نسبيا.

لوسيو ميلانيزي الشريك المؤسس لشركة بروكسيما فيوجن

بالنسبة لألمانيا، تبرزشركة  Marvel Fusion كمشروع طموح يوظف تقنيات الليزر فائق القصر لتحقيق اندماج بالقصور الذاتي. مستنداً إلى الإرث الألماني في علوم البصريات والليزر. وإلى جانبها، تتخذ شركة Gauss Fusion مساراً أكثر تحفظاً. إذ يركز على تطوير مكونات صناعية وأنظمة هندسية قابلة للدمج مستقبلا في مفاعلات توكاماك أوروبية. مع أولوية واضحة للجاهزية الصناعية وسلاسل الإمداد.

أما فرنسا، فتظل مركز الثقل المؤسسي الأوروبي بفضل استضافتها مشروع إيتر الدولي  ITER، الذي يشكل أكبر تجربة اندماج نووي في العالم. غير أن هذا الثقل، على أهميته العلمية، يفرض إيقاعاً بطيئاً لا يتماشى دائما مع احتياجات الشركات الناشئة. ما يدفع العديد منها إلى التموضع كموردين لتقنيات حرجة، من مغناطيسات فائقة التوصيل إلى أنظمة تبريد وتحكم، بدل السعي لبناء مفاعلات مستقلة في المدى المنظور.

سباق عالمي… ونافذة تضيق

في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو مطالبة الصناعة الأوروبية للاتحاد الأوروبي بإشارات سياسية قوية مجرد ضغط قطاعي، بل محاولة للحفاظ على موقع أوروبا في سباق عالمي يتسارع بوتيرة غير مسبوقة. فالاندماج النووي لم يعد مشروعاً نظرياً بعيد الأمد، بل ساحة تنافس صناعي واستثماري، تحدد فيها مواقع الدول والشركات.

وبينما تملك أوروبا كل المقومات العلمية والتقنية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تلتقط بروكسل الإشارة في الوقت المناسب، أم تكتفي بدور المتفرج ؟

الرسالة الأوروبية اليوم واضحة: نافذة الفرصة لا تزال مفتوحة. لكنها تضيق سريعاً، والقرار لم يعد علمياً، بل سياسياً وصناعياً واستثمارياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى