اغتيال المرشد: زلزال سياسي لا يهز إمدادات النفط
مع اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، والرد الانتقامي باستهداف دول الخليج وإعلان إغلاق مضيق هرمز، يكون السيناريو الأسوأ بالنسبة لأسعار النفط قد تحقق. ولكن يبقى السؤال قائماً، هل تتحقق «النبوءات» التي تتجدد مع كل تصعيد عسكري. لتشمل على سبيل المثال، حدوث أزمة نفطية و«اشتعال» الأسعار، وموجة تضخم وركود عالمية. أم ينحصر الأمر بالأثر النفسي على البورصات وأسواق العقود الآجلة، ولا يطال أمن وكفاية الإمدادات.
إقرأ أيضا: من فنزويلا إلى إيران وروسيا: عودة النفط إلى صلب الاستراتيجية الأميركية
مع توقع حدوث ارتفاع كبير والأرجح مؤقت بأسعار النفط، فمن غير المرجح حدوث نقص فعلي وطويل الأجل في الإمدادات. الأمر الذي يؤثر على العامل الرئيسي في تحديد الأسعار وهو العرض والطلب. ويصح ذلك حتى لو تصاعد الرد الإيراني إلى حد توسيع نطاق الحرب لتشمل لبنان واليمن. وأيضاً استهداف منشآت الطاقة في الخليج والمصالح الأميركية في العالم. ما يعني عملياً اعتماد القيادة العسكرية والأمنية المتبقية معادلة «هدم الهيكل»، لأنها ترى في اغتيال المرشد قراراً أميركيا بإسقاط النظام، أو فرض تغييره من الداخل على «الطريقة الفنزويلية».
معطيات ترجح عدم تأثر الإمدادات
باستعراض المعطيات السياسية والعسكرية، وأساسيات سوق النفط، يمكن القول ان تأثير هذه التطورات الدراماتيكية، يرجح أن يكون محدوداً على أمن الإمدادات ومؤقتاً على الأسعار، وإن كان فورياً وقوياً على البورصات. ويمكن تقسيم هذه المعطيات إلى سياسية ـ عسكرية ونفطية:
-
المعطيات السياسية والعسكرية:
- قد يؤدي الرد الإيراني العنيف وخاصة إذا بلغ حد «هدم الهيكل» إلى التعجيل بإسقاط النظام أو تغييره، وبالتالي تقليص مدة تهديد الإمدادات.
- إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة تؤثر على الإمدادات يصطدم بقيود عسكرية واضحة. تتعلق بالتفاوت الكبير بين القدرات الأميركية والإيرانية ما يجعل من الصعب تصور حرب استنزاف تسمح بإغلاق المضيق لفترة طويلة.
- كما يصطدم إغلاق المضيق بقيود سياسية تتعلق بأن نحو 80 في المئة من نفط الخليج يتجه إلى دول آسيوية، وفي مقدمها الصين والهند. ومن المستبعد أن تخاطر القيادة الإيرانية الجديدة بإلحاق ضرر استراتيجي بهذه الدول، ما يفتح الباب أمام ترتيبات خاصة للناقلات التي ترفع أعلامها، كما حدث تاريخياً.
إقرأ أيضاً: ضرب النفط الإيراني: مؤشر لتسوية قسرية أم لإسقاط النظام؟
-
المعطيات النفطية:
- وجود طاقات إنتاجية فائضة في العالم ولدى دول تحالف «أوبك بلس» تقدر بحوالي 4 إلى 5 ملايين برميل. ويمكن ضخها بشكل فوري. كما يكفي مثلاً عدم التشدد في تطبيق العقوبات على روسيا لتوفير إمدادات كبيرة إضافية.
- وجود مخزونات ضخمة في الدول الصناعية تقدر بنحو مليار برميل، يمكن السحب منها مرحلياً. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الدول الخليجية وإيران لديها حالياً عشرات الناقلات في عرض البحر. وقد تم تحمليها على عجل كإجراء احترازي، خلال شهر فبراير الحالي.
- إمكانية تصدير حوالي 9 ملايين برميل من نفط السعودية والإمارات والعراق عبر خطوط الأنابيب لتجنب المرور بمضيق هرمز. حيث تصل هذه الخطوط إما إلى البحر الأحمر أو بحر العرب أو تركيا.
- في حال تم استهداف منشأت النفط الخليجية أو خطوط الأنابيب المذكورة، فلن يؤدي ذلك إلى تعطيل جدي ومؤثر للإمدادت. ويثبت ذلك من تجربة الاعتداء على منشآت أرامكو في العام 2019 وخط أنابيب شرق ـ غرب. إذ تمت استعادة الضخ خلال فترة قياسية.
إقرأ أيضاً: أسعار النفط والتصعيد الأميركي – الإيراني: صدمة حقيقية أم أثر نفسي؟
خطأ المعادلات الحسابية البسيطة
إن اعتماد معادلات حسابية بسيطة لتقدير الارتفاع المتوقع في الأسعار لا ينسجم مع تعقيد العوامل المؤثرة في سوق النفط. فبعض التحليلات تفترض مثلاً، أن كل نقص بنسبة 1 في المئة في الإمدادات يرفع السعر بنحو 4 في المئة، وبما أن نفط الخليج يمثل نحو 20 في المئة من الإمدادات العالمية، فإن الأسعار قد ترتفع 80 في المئة.
هذه مقاربة مبسطة تتجاهل أن السوق لا يسعّر «الحجم النظري» وحده، بل يقدّر احتمال حدوث نقص فعلي بالإمدادات، ومدته، وإمكانية تعويضه. كما أن الطلب يتراجع تلقائياً عند مستويات سعرية مرتفعة، ما يحدّ من استمرار القفزات الحادة. والأسواق، بطبيعتها، تتحرك وفق تسعير تدريجي ومعقّد للمخاطر، لا وفق معادلات حسابية جامدة.
الخلاصة
قد يكون اغتيال المرشد الإيراني حدثاً مفصلياً في التاريخ السياسي للمنطقة. وربما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة بالكامل من إعادة رسم موازين القوى. لكن أسواق النفط، بطبيعتها الباردة، لا تسعّر الرمزية السياسية بقدر ما تسعّر حجم الطلب وكفاية العرض.
قد ترتفع الأسعار بقوة في لحظة الصدمة، وقد تهتز الأسواق المالية بعنف. لكن المبالغة في التهويل لا تقل خطورة عن الاستهانة بالمخاطر. ويبقى الفارق كبيراً بين ضجيج البورصات وهدوء كفاية الإمدادات.



