الأنظار تتجه صوب الاقتصاد الدائري

في الاقتصادات الناضجة، يقنع الكثيرون أنفسهم بأنهم يلعبون دوراً محموداً ويحدثون فارقاً حقيقياً في رحلة كوكبنا لبلوغ مستقبل مستدام عندما يقومون بفرز النفايات المنزلية القابلة لإعادة التدوير. أو إعادة استخدام أكياس التسوق. أو التزام الخيارات الاستهلاكية «الأكثر محافظة على البيئة» داخل مراكز التسوق. ولكن الواقع يؤكد أن كل ذلك ما هو إلا وهم كبير!
نعم … لقد ازداد الوعي العام بمشكلة الاحتباس الحراري العالمي. وأصبحت عبارات «الحد من الاستهلاك، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير»، تتردد على ألسنة الكثيرين. لكننا أخفقنا جميعاً في التعامل مع حوالي 80 في المئة من المواد والسلع سريعة الاستهلاك. وهو ما يُترجم حرفياً إلى جبال من الموارد القيمة التي يتم إهدارها وحرقها في الغلاف الجوي. أو تركها في أكوام لتلوث البيئة. أو دفنها تحت الأرض كي تتحول لأرث سام ينتظر الأجيال القادمة.
لا يعني ذلك أن هذه المواد بلا قيمة. فنحن، في كل عام، نتخلص من حوالي 2.6 تريليون دولار من السلع، التي لا يتم استعادتها أبداً. وحتى بالنسبة لهؤلاء الذين لا يدعمون الأجندة الخضراء، فإن هذا يعني 2.6 تريليون سبب مالي لتعديل السلوكيات.
تقدر قيمة نفايات السلع والمواد القابلة لإعادة الاستخدام بحوالي 2.6 تريليون دولار سنوياً
هناك بالطبع طرق أكثر استدامة لإدارة الاقتصاد. ويشار إلى تلك الطرق بمفهوم «الدائرية». والذي يعني التصنيع والاستهلاك القائمين على المشاركة والإصلاح والتجديد وإعادة تدوير المواد والمنتجات لأطول فترة ممكنة وضمان أقصى قيمة بيئية لكل سلعة يتم إنتاجها.
ما الذي نهدره وما حجم الإهدار؟
في الاقتصاد الدائري، لا يتم استخدام المنتجات ثم التخلص منها ببساطة لاعتبارها لم تعد ذات جدوى. فبدلاً من ذلك، يتم استخدام هذه المنتجات مرة أخرى أو مرة تلو الأخرى. أو تحويلها إلى أشياء ذات قيمة مماثلة في المجتمع. بعبارة أخرى، يتم تمديد عمر المنتج طالما كان ذلك ممكناً من الناحية الفنية. وهذه الاستراتيجية لا تسهم في الحد من ملوثات التربة والهواء والمياه وحسب، بل وتقلل في الوقت نفسه من الاعتماد على أنظمة الأرض طلبا لموارد جديدة كي تحل محل تلك التي تم التخلص منها.
الاقتصاد الدائري يعني التصنيع والاستهلاك القائمين على إصلاح وتجديد وإعادة تدوير المنتجات والمواد لأطول فترة ممكنة
ونحن نتحدث عن حجم مقلق من النفايات. فالنفايات الإلكترونية مثل أجهزة التلفاز والكمبيوتر والهواتف الذكية والأجهزة المنزلية، تتزايد بأسرع المعدلات مقارنة بفئات المخلفات الأخرى حول العالم. ففي عام 2022، سجلت النفايات الإلكترونية 62 مليار كيلوجرام، وهو ما يعادل حمولة 1.55 مليون شاحنة قمامة تقريباً. ومن المتوقع أن يرتفع الرقم 82 مليار كيلوجرام سنوياً بحلول عام 2030. وهذه النفايات سامة، لأنها تحتوي على معادن ثقيلة ومركبات ضارة مثل الزرنيخ والرصاص والكادميوم وكلوريد الفينيل ومثبطات اللهب. ومعروفة بتأثيرها السلبي على الجهاز التنفسي والجهاز التناسلي والجهاز المناعي للإنسان.

النفايات الكيميائية
وليت الأمر يقف عند حد النفايات الإلكترونية. فالنفايات الكيميائية الصناعية الخطرة تكلفنا الكثير أيضا. ويقدر حجمها بحوالي 400 مليون طن سنوياً. وتشمل مخلفات الوقود والبطاريات التقليدية والنفايات الطبية والمذيبات والدهانات ومنتجات التنظيف والأحبار والمبيدات الحشرية. ففي غضون جيل بشري واحد فقط، زادت كمية المواد الكيميائية بنسبة 40000 في المئة . والآن، يوجد في جسم الإنسان أكثر من 700 مادة كيميائية من صنعه، ناهيك عن تأثيراتها الفسيولوجية غير المعروفة.
وغالبا ما يتم تصدير النفايات الكيميائية السامة والمكلفة في معالجتها إلى البلدان النامية التي لا تتوافر فيها ضمانات بيئية كافية للتخلص منها. وقد تصل هذه النفايات إلى المياه الجوفية أو تتسبب في تلويث الأراضي الزراعية.
نفايات البناء
وهناك أيضا صناعة البناء، وهي مضمار هائل يدمي القلوب لما ينتجه من كميات هائلة من النفايات. فمليارات الأطنان من النفايات التي تنتج سنوياً بسبب بناء أو تجديد أو هدم البنية الأساسية تشكل نحو 40 في المئة من إجمالي مكبات النفايات. وبدلاً من إعادة تدوير أو إعادة استخدام هذه النفايات، فإننا نختار استخراج نحو 100 مليار طن من المواد الخام الجديدة كل عام. وهو ما يعكس نهجا غير مستداما ومدمرا لكوكبنا.
ارتفعت كمية المواد الكيميائية بنسبة 40000%، و يوجد في جسم الإنسان أكثر من 700 مادة كيميائية من صنعه
أضف إلى قائمة الأمور المخزية ذلك الطوفان من النفايات التجارية التي تخرج من منازلنا ومكاتبنا ومتاجرنا ومصانعنا. فيتحول فائض مواد التعبئة والتغليف والأغذية والكرتون والورق والمنسوجات إلى أكثر من ملياري طن من النفايات التجارية سنوياً.
نفايات السفن
وماذا عن السفن؟ قد تندهش إذا علمت أن حوالي 70 في المئة من السفن يتم هدمه مع نهاية العمر الافتراضي للسفينة. والهياكل الصدئة للسفن المهجورة غالباً ما تتسرب منها عناصر ضارة مثل الزنك والزئبق. وتحولت مثلاً بعض الشواطئ في بنغلاديش إلى مقابر للسفن. حيث تضم ما يقدر بنحو 79 ألف طن من الأسبستوس، و240 ألف طن من ثنائي الفينيل متعدد الكلور، و210 آلاف طن من المواد الأخرى المستنفدة للأوزون. وليس ثمة أمل في التوصل إلى حل جذري للمشكلة.
والأسوأ من ذلك أن إنتاج النفايات على مستوى الكوكب من المتوقع أن يزداد بنسبة 70 في المئة أخرى بحلول منتصف القرن. وذلك بسبب ارتفاع وتيرة التصنيع وتسارع الاستهلاك، وهو ما يشير إلى أنه لا يلوح في الأفق أي فترة توقف لهذه الكارثة.
كيف نواجه التحديات الهائلة؟
على الرغم من كل ذلك، ثمة بصيص أمل ينتظر هذا العالم الذي يرزح تحت وطأة المخلفات بكل ما تنطوي عليه من كوارث، إنه إغراء أو حافز المال. فالفكر أو الذكاء التجاري قد يكون هو المحرك الرئيس للاقتصاد الدائري الذي نرنو إليه.
فمن بين النفايات التي نتخلص منها كل عام، والتي تبلغ قيمتها ال 2.6 تريليون دولار، تحتفظ المواد الموجودة فيها بحوالي 80 في المئة من قيمتها الأصلية. فماذا لو اعتبرنا هذه النفايات تمر بمرحلة من عمرها بدلاً من أن نعتبرها في نهاية عمرها الافتراضي.
لقد بلغت قيمة الاقتصاد الدائري عالميا، منذ عام 2022، حوالي 339 مليار دولار سنويا. وهو ما يزيد عن ضعف قيمته في عام 2020. ومع تنامي الاهتمام بهذا القطاع، من المتوقع أن تتضاعف قيمته مرة أخرى بحلول عام 2026. وبنظرة مستقبلية، يمكن القول بإن بإمكان الاقتصاد الدائري أن يدر حوالي 4.5 تريليون دولار إضافية تأتي من الأنشطة الاقتصادية العالمية بحلول نهاية العقد، ويحقق 25 تريليون دولار أميركي بحلول عام 2050.
بلغت قيمة الاقتصاد الدائري نحو 339 مليار دولار في 2022، ويتوقع ان ترتفع إلى 4.5 تريليون دولار بنهاية العقد، ومن ثم إلى 25 تريليون دولار في 2050
ويؤكد الخبراء لدى شركة ماكينزي للاستشارات أن شركات السلع الاستهلاكية في أوروبا التي تعيد توجيه محافظها الاستثمارية نحو مبادئ الاقتصاد الدائري يمكن أن تفتح وحدها الأبواب لسلاسل قيمة تقدر بما يزيد عن 500 مليار دولار بحلول عام 2030. فضلا عن تحقيق إيرادات إجمالية تبلغ تريليون دولار بحلول منتصف القرن.
أكثر من قيمة نقدية
لكن ما الذي يدفعنا لمثل هذه التوقعات الطموحة؟ لابد وأن يكون الأمر أكثر من مجرد القيمة النقدية البسيطة للمواد التي نحصل عليها من المنتجات القائمة. فالواقع أن الشركات التي تتبنى الفكر الدائري توفر المال من خلال الحد من استهلاكها للطاقة. أو اكتساب ميزة تنافسية أو تحقيق المصداقية فيما يتعلق بالبيئة والمجتمع والحوكمة. أو السعي وراء الحصول على الإعفاءات الضريبية.
وبغض النظر عن المخاوف المالية، ثمة سبب وجيه آخر يجعلنا نشعر بالاهتمام إزاء الزخم المتزايد وراء الاقتصاد الدائري: إنها معركتنا الوجودية المستمرة لمواجهة تغير المناخ.
إذ تشير الأرقام إلى أننا نجمع في المتوسط ما يقارب 11.2 مليار طن من النفايات سنويا. ويؤدي التحلل البطيء لهذه النفايات إلى حوالي 5 في المئة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي. كما أن النفايات تعد مسؤولة عن خُمس انبعاثات الميثان في العالم. والميثان من غازات الدفيئة، وهو أقوى بحوالي 80 مرة مقارنة بثاني أكسيد الكربون.
وعلى مستوى العالم، قد يسهم التحول إلى الاقتصاد الدائري في الحد من غازات الدفيئة بحوالي 45 في المئة (أي حوالي 22.1 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً). وهو ما يتعين علينا تحقيقه وفقا لاتفاقية باريس 2016 للوقوف بمعدلات ارتفاع الحرارة عند +1.5 درجة مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. ويعني ذلك أن التخلص التدريجي من المواد غير الضرورية خلال مرحلتي التصميم والتصنيع، واستخدام المنتجات لفترة أطول، وإحياء الأراضي من أجل الصالح العام، من شأنه أن يجنبنا أسوأ الويلات التي قد نواجهها في كوكب شديد الحرارة.
يسهم التحول إلى الاقتصاد الدائري في الحد من غازات الدفيئة بحوالي 45 في المئة (أي حوالي 22.1 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً
كل هذه المكاسب في انتظارنا… فما آن الأوان كي نفكر في كيفية ترجمة الاقتصاد الدائري إلى واقع في صناعاتنا وأنظمتنا المالية؟
أبرز تطبيقات الاقتصاد الدائري
إن السلع الاستهلاكية، من المنتظر أن تخطو خطوات واسعة نحو فكرة الدائرية، وذلك من خلال العمل على إطالة عمرها الافتراضي واعادة تدويرها.
صناعة الأزياء:
تعتبر نقمة على البيئة. إذ ينبعث منها حوالي 92 مليون طن من النفايات النسيجية سنويا. ولكن بحلول عام 2030، من المتوقع أن تتضاعف كمية الملابس المعاد تدويرها عشرة مرات. وأن يتجاوز سوق «المستعمل» مبيعات سوق «الجديد». ومع تراجع انتاج الملابس الجديدة، من المنتظر أن يتراجع استهلاكنا من المياه اللازمة للإنتاج، وتتراجع معدلات تلويث الأنهار والجداول بالأصباغ.
صناعة الإلكترونيات:
تستعد لطفرة مهمة. فبحلول عام 2030، سيكون هناك سوق بقيمة مليارات الدولارات للإلكترونيات الصغيرة المجددة مثل أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الذكية. وسنشهد المزيد من التركيز على إصلاح الأجهزة المنزلية البيضاء الكبيرة. وفي يونيو 2024، اعتمد الاتحاد الأوروبي تشريعاً جديداً بشأن إصلاح السلع، يضع عبء الإصلاحات السريعة والاقتصادية على عاتق الشركات المصنعة. وتهدف القواعد الجديدة إلى القضاء على فكرة «التقادم». وضمان توافر قطع الغيار باستمرار حتى يتمكن المستهلكون من اختيار إصلاح أجهزتهم المعيبة بدلاً من التخلص منها.
وبحلول التاريخ نفسه، من المنتظر أن يلتزم مصنعو السلع غير الغذائية الأخرى، بتغليف منتجاتهم يمواد معاد تدويرها أو قابلة للتحلل البيولوجي. وعلى الرغم من ذلك، ستكون هناك حاجة إلى الاستثمار في مساعدة الصناعات على تلبية هذه المتطلبات الصارمة، والتي تصل تكلفتها إلى 100 مليون دولار وفقاً لبعض التقديرات.
صناعة الأزياء تعتبر نقمة على البيئة، إذ تنتج 92 مليون طن من النفايات سنويا. لكن يتوقع تضاعف كمية الملابس المعاد تدويرها 10 مرات بنهاية العقد
المواد البلاستيكية: في عام 2022، انضمت أكثر من 240 حكومة وشركة إلى تحالف الأعمال من أجل معاهدة البلاستيك العالمية. للمساعدة في دفع عملية إدارة النفايات والحد من وجود البلاستيك في البيئة. تشتمل المعاهدة على استراتيجية ثلاثية الأبعاد. فهي تغطي: القضاء على جميع المنتجات البلاستيكية غير الضرورية. وضمان أن أي بلاستيك يتم انتاجه قابل لإعادة الاستخدام أو قابل للتحلل. وضمان استمرار تداول المواد البلاستيكية بين المستخدمين بدلاً من إلقائها في مكبات النفايات. وبالنظر إلى المستقبل، يأمل القائمون على المعاهدة في تحقيق بعض الانجازات السريعة في هذا المضمار بحلول عام 2040 من حيث: تقليص كم المنتجات البلاستيكية التي تُلقى في محيطاتنا بنسبة 80 في المئة. وخفض انبعاثات الغازات المسببة للانحباس الحراري بنسبة 25 في المئة وخلق 700000 وظيفة جديدة.
قطاع الزراعة:
من أسرع القطاعات استجابة لدعوات الاقتصاد الدائري وإغراءاته، نظراً لما ينطوي عليه الأمر من مكاسب واضحة. فقد وجدت إحدى الدراسات أن الحقول الزراعية التي تتم إدارتها من خلال التركيز على فكرة «الدائرية» تتفوق على الحقول التي تتم إدارتها بالطرق التقليدية بنسبة 78 في المئة. وتتطلب الزراعات الأحادية واسعة النطاق، التي تعتمد على أعمال الحرث والأسمدة والمبيدات الحشرية المكلفة، تتطلب تدخلات أكثر من تلك التي تتطلبها الحقول التي يركز تصميمها على صحة التربة والتنوع البيولوجي ــ والتدخلات، سواء كانت من حيث القوى العاملة أو الآلات أو المواد الكيميائية، دائما ما تكلف الكثير من المال.

قطاع البطاريات:
بينما راح العالم يفكر في كيفية تخزين إمدادات الطاقة من مصادر متجددة، بدأ منتجو البطاريات يلعبون دوراً مهماً فيما يتعلق بالتحول بعيدا عن الوقود الحفري. ويمكن لقطاع البطاريات المسؤول عن 180 ألف طن من النفايات الخطرة سنوياً في أمريكا وحدها أن يدعم فكرة الاقتصاد الدائري من زاويتين.
أولا: يمكن جمع البطاريات الزائدة عن الحاجة من المستهلكين للحصول على مكوناتها (بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة مثل الليثيوم) وإعادة استخدامها في بطاريات أخرى.
ثانيا: يمكن تعديل مفهوم الملكية من خلال بعض نماذج الأعمال الدائرية التي تشمل فكرة البطارية كخدمة (أي أن العميل يشتري سيارة كهربائية ولكنه يستأجر بطاريتها فقط) أو التنقل كخدمة (ويشمل ذلك وسائل النقل الجماعي ومشاركة السيارات وتأجير السيارات).
قطاع البناء:
يتعين على القائمين عليه مراجعة سياسة القطاع البيئية. ونأمل أن يشهد عام 2050 إزالة الكربون من 80 في المئة من عمليات البناء من خلال تبني ثلاث استراتيجيات دائرية هي :
- الوقود البديل واستبدال الوقود الحفري بمزيج من الغاز الحيوي أو الكتلة الحيوية أو الغاز الطبيعي المسال أو الهيدروجين أو الأمونيا
- استخدام ثاني أكسيد الكربون في تقوية الخرسانة، مما يجعل المادة أكثر متانة ويقلل الانبعاثات
- إعادة الكربنة أو التقاط الكربون وتخزينه والسماح للخرسانة المائية بإعادة امتصاص الكربون الذي ينبعث أثناء إنتاجها، مما يمنع الملوثات بشكل دائم.
تمديد دورة حياة المنتجات
يتطلب تبني فكرة الاقتصاد الدائري والدفاع عنها، التركيز على تمديد دورات حياة المنتجات المختلفة التي أصبحنا كمجتمع مدمنين لها. فيمكن للمصنعين مثلاً، تصميم منتجات يسهل على المستهلك العادي تفكيكها واستبدال أجزائها، دون التضحية بالوحدة بأكملها. ويجب توافر إمكانات التعبئة وملصقات الدفع المسبق لتشجيع إعادة المواد إلى المصانع. وبمجرد استلام الشركة المصنعة للعنصر المعيب أو القديم، تُطرح اختيارات الإصلاح أو التجديد أو إعادة التصنيع (وكلها تؤدي إلى إعادة البيع) أو إعادة التدوير. ومن المتوقع أن تزدهر عناصر سلاسل القيمة هذه في المستقبل القريب، مع توقع تحقيق نمو سنوي بمتوسط 15 في المئة في مضمار عمليات تجديد الأجهزة الإلكترونية وحدها.
إن مكاسب الاقتصاد الدائري يمكن الاستفادة منها في قطاعات عدة. فعلى سبيل المثال، من المنتظر أن يؤدي استغلال فرص الاقتصاد الدائري في جميع أنحاء أوروبا إلى الحد من الانبعاثات التي تنتج عن قطاعات الصلب والبلاستيك والألمنيوم والأسمنت بنسبة 56 في المئة بحلول عام 2050.
الخطوات العملية نحو الاقتصاد الدائري
لكن هل ستكون رحلتنا نحو تحقيق الهدف المنشود ميسرة؟ وما هي الخطوات التي يجب أن نبدأ في اتخاذها استعدادا للاقتصاد الدائري؟ وما هي ما هي التحديات التي تنتظرنا خلال رحلتنا نحو الاقتصاد الدائري؟
يتوقع تقرير مثير للقلق، أنه بحلول العام 2050 ستفوق كتلة المواد البلاستيكية كتلة الأسماك في البحار والمحيطات
قليلون هم من يشككون في الاقتصاد الدائري، وما ينطوي عليه من مكاسب وايجابيات. لكن ذلك لا يعني أن تطوره حتمياً ومضموناً. فإذا أخذنا التحول من سيارات محركات الاحتراق الداخلي إلى المركبات الكهربائية مثالاً. سنجد أن مفهوم الاقتصاد الدائري يمتد عبر قطاعات متعددة وأن تأثيراته وتحدياته تتفاوت من قطاع لآخر. مما يجعل التخطيط لاعتماده على نطاق واسع – ونعني هنا تحديد سلاسل القيمة وتنسيق الاستراتيجيات – تحدياً هائلاً.
قد تكون هذه الخاصية المتمثلة في امتداد الاقتصاد الدائري عبر القطاعات السبب الرئيس وراء عدم وجود أبطال للقطاع. وتهميش المخاطر في خطط سياسة المناخ الوطنية. وتٌثار التساؤلات حول من سيتحمل التكاليف المترتبة على استرجاع وتجديد وإعادة توزيع المنتجات، أهو العميل أم الشركة المصنعة؟. وإذا كانت الأخيرة، فمن المرجح أن تجد النفقات طريقها إلى الأسعار بشكل أو بآخر.
لابد من الإشارة إلى أن النوايا الحسنة شيء والجهود المطلوبة والمبذولة شيء آخر. فالأخيرة قد يقوضها غياب البنية التحتية المناسبة. فعلى الرغم من التحذيرات بشأن مخاطر المواد البلاستيكية، لا يزال ما يقرب من ثلث البلاستيك ينتهي به المطاف في مكبات النفايات. ويتعين على البلدان النامية على وجه الخصوص أن تعمل على تحسين أنظمة إدارة النفايات لديها بسرعة، على الرغم من وجود أولويات أخرى تتنافس على ميزانياتها. وقد جاء في تقرير مثير للقلق، نشرته صحيفة واشنطن بوست، أنه بحلول عام 2050 ستفوق كتلة المواد البلاستيكية كتلة الأسماك في بحارنا ومحيطاتنا.
تطوير التكنولوجيا

إذا كنا نبغي الحفاظ على السلع والمواد قيد التداول – أو الدائرية – لفترة أطول، فنحن بحاجة لتكنولوجيات إعادة تدوير مطورة بشكل أكبر. ففي الوقت الحاضر، يتم التضحية بالجودة والنقاء في كل عملية إعادة معالجة. ويعزى ذلك للتعقيدات المتعلقة بكيفية تعقيم البلاستيك المستعمل وتصنيفه. ولذلك يتم تحويل 2 في المئة فقط من البلاستيك المستعمل إلى منتجات ذات جودة مماثلة.
وفي بعض الأحيان، قد تكون عقوبات عدم الامتثال ضرورية. ففي المملكة المتحدة، أجبرت المتاجر منذ عام 2014 على فرض رسوم على أكياس التسوق الجديدة، وبفضل هذه الخطوة تراجع الطلب عليها بنسبة 98 في المئة في السنوات التالية.
وبالنظر لهذه التحديات، يتضح لنا أن الوقت يداهمنا وعلينا ان نتحرك لتسريع التحول إلى الاقتصاد الدائري.
استراتيجيات فعالة لسد «فجوة الدائرية»
من منا يحب أن يعيش في عالم تنتشر فيه المجاري المائية الملوثة وأكوام القمامة النتنة وجبال النفايات العائمة؟ من منا يحب أن يتنفس هواءً يتشبع بالمواد السامة؟
هناك العديد من الاستراتيجيات التي يمكننا أن نشرع في اتباعها الآن لتعزيز الاقتصاد الدائري والإبحار نحو عالم أكثر استدامة.
أولاً، إننا بحاجة إلى البيانات… الكثير والكثير من البيانات. فأصحاب المصلحة في القطاعين الخاص والعام يحتاجون إلى فهم سبب الفجوات الموجودة في سلاسل القيمة والتي منها تتسرب المنتجات. لماذا تتحول سلعة ذات قيمة فجأة إلى عبء ومشكلة؟ فليس بالإمكان تصميم آليات معالجة المشكلة وتقييمها دون فهم القضية بشكل شامل وصحيح.
ثانيا، سنحتاج أن نحول نوايانا وطموحاتنا إلى عمل فعلي. وهذا يعني إجراء تغييرات ذات مغزى على أساس كل قطاع على حدة. فعلى سبيل المثال، يتعين على صناعة الأغذية أن تشجع التحول إلى أنظمة غذائية صحية. كما يتعين علينا أن نستثمر في الزراعات المتجددة. وأن نفهم بشكل أفضل أسباب فقدان الغذاء وهدره. وأن نجعل الفائض من الغذاء والمنتجات الثانوية يصل للأسواق الثانوية بسهولة.
يتم سنوياً تعدين واستخراج 100 مليار طن من المواد الجديدة سنوياً، أكثر من من 91% منها تختفي من الاقتصاد وإلى الأبد
من ناحية أخرى، يمكن للشركات المصنعة للمعدات الرأسمالية (كالآلات الثقيلة والأثاث والمركبات وما إلى ذلك) إحداث تأثيرات ملحوظة وفورية من خلال تبني عروض «الاستخدام كخدمة» بدلاً من تشجيع الشراء المباشر. ويمكن أيضاً العمل على إنشاء سلاسل إمدادات مميزة وفعالة من حيث التكلفة. والاستثمار بشكل استراتيجي في تجديد المرافق. واستغلال التقنيات الرقمية الجديدة للسماح بالمراقبة وإجراء التحسينات طوال عمر المنتجات.
إجراءات عاجلة
في الوقت نفسه، يجب على القائمين على صناعة البلاستيك تحديد التركيبات الأكثر ضرراً بالبيئة واستبدالها بشكل عاجل ببدائل أقل ضرراً. كما يمكنهم أيضاً وضع إعادة الاستخدام وإعادة التدوير في الاعتبار عند تصميم المنتجات. ومعالجة القضايا الصحية المتعلقة باستخدام البلاستيك من الجيل الثاني في تخزين الأغذية. وإنشاء أنظمة صديقة للعملاء لجمع المواد البلاستيكية. ومساعدة الاقتصادات الناشئة على تطوير مرافق إعادة التدوير الخاصة بها.
وبالنسبة لقطاع الإلكترونيات، فلابد من تغيير الأولويات والتركيز على توفير المزيد من الدعم من أجل زيادة عمر المنتج. وضمان تحسين المنتجات لتجنب استبدالها. وتحفيز الحصول على المكونات المعاد تدويرها لتقليل الطلب على المواد الخام؟ وإدخال نماذج أعمال جديدة، مثل التأجير والمشاركة والاشتراكات. وزيادة الحوافز التشجيعية للاستثمار في تكنولوجيات إعادة التدوير.
وفي قطاع صناعة المنسوجات، لا بد من البدء في إنتاج الملابس المصممة لتدوم طويلاً. واختيار الأقمشة ذات الجودة الأعلى والتصميمات التي من غير المرجح أن تخرج عن الموضة. كما يجب على القائمين على هذه الصناعة تشجيع مبادئ الزراعة المستدامة في قطاع زراعة القطن. ودراسة التداعيات التجارية لنموذج الملابس المستأجرة. وإنشاء تجارة نابضة بالحياة في مضمار المنسوجات المستعملة. وتحسين مرافق التجميع والفرز.
عالم أخضر ونظيف
تنطوي كل هذه الأفكار على جدوى مالية هائلة تتحقق على المدى الطويل. وبإمكانها مجتمعة المساهمة في سد «فجوة الدائرية» المخزية. فالإحصاءات تشير إلى أن أكثر من 91 في المئة من 100 مليار طن من المواد الجديدة التي تخرج إلينا كل عام تختفي من الاقتصاد سريعا وإلى الأبد.
إن مصطلح الاقتصاد الدائري يحمل في ثناياه وعوداً حقيقية بعالم أخضر ونظيف ننعم فيه بالصحة والرفاهية. ولكن ذلك شريطة أن ننهض للتعامل مع كوكب الأرض باعتباره محيطا حيويا ثميناً، لا مورد لا نهائي يقتصر دورنا حياله على الاستغلال.
*نائب رئيس مجلس إدارة العمليات الدولية في «عبد اللطيف جميل»



