البلوك 8 بين «توتال» ووزارة الطاقة: رضوخ دولة أم إدارة مصالح؟

  • هل رضخ وزير الطاقة اللبناني لضغوط تحالف توتال بشأن تلزيم البلوك رقم 8؟ الجواب: نعم، ولكن…
  • هل أخطأ الوزير بمنع شركة “تي جي أس” من إجراء المسوحات الزلزالية؟ الجواب أيضاً نعم، ولكن…

قبل الإجابة، يجدر ملاحظة أن أخطر ما يعاني منه ملف الغاز في لبنان هو تحويله إلى سلعة في «بازار» المكاسب والخلافات وتصفية الحسابات بين القوى السياسية. فغابت الموضوعية والمصلحة الوطنية، وأبسط المعطيات والحقائق في الصناعة النفطية. فإذا كان الوزير محسوباً على التيار العوني مثلاً، سعى جاهداً لتوظيف أي تطور لخدمة تياره وحلفائه. وبالمقابل تستنفر القوى الأخرى للعرقلة والتعطيل وتشويه الحقائق. والعكس صحيح، فعندما يكون الوزير محسوباً على القوات اللبنانية مثلاً، تستنفر قوى الممانعة لأداء الدور ذاته.

جو الصدي
وزير الطاقة اللبناني جو الصدي

وخطورة هذه المقاربة لا تقتصر على تضييع الحقائق أمام الشعب اللبناني، بل تدفع الشركات النفطية إلى شطب لبنان من برامجها الاستثمارية. فهذه الشركات يمكنها التعامل مع المخاطر التجارية وحتى السياسية والأمنية. ولكن يصعب عليها التعامل مع «مخاطر» المزاج السياسي أو المصالح الانتخابية لهذا الفريق أو ذاك. وأوضح الأدلة على ذلك كان تعطيل إقرار اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج لأكثر من ثلاث سنوات، أبان حكومة الرئيس تمام سلام .

إقرأ أيضاً: لبنان: ملابسات وتساؤلات حول دورة التراخيص الثالثة

انطلاقًا من هذه الخلفية يمكن الإجابة على السؤالين كالتالي:

هل رضخ الوزير؟

حكم سلوك شركة توتال إنيرجيز (الشركة المشغّلة في التحالف)، منذ توقيع عقد البلوكين 4 و 9، مبدأ أساسي، وهو الاحتفاظ بموارد الغاز في لبنان ضمن أصولها من خلال الارتباط بعقد واحد على الأقل للاستكشاف والإنتاج. مع قرار استراتيجي بعدم الاستثمار والاكتفاء بتنفيذ الحد الأدنى من الالتزامات التعاقدية مثل حفر بئر واحدة. إضافة إلى سعيها لمنع دخول أي شركة أخرى إذا استطاعت. ومن يشكّك في صحة هذا الاستنتاج فليراجع برامج الاستثمار في الشركة.

استفادت شركة توتال من حالة الترهل السياسي والإداري في لبنان لحماية مصالحها، من خلال ممارسات غير معتادة أحياناً في التعامل مع الدول. وكان آخر تجلياتها الامتناع عن توقيع عقد تلزيم البلوكين 8 و 10 بعد اعتماده من قبل الحكومة في يناير 2024، خلال المهلة المقررة وهي 30 يوماً. وأكثر من ذلك، لم ترد الشركة ولو برسالة واحدة على كافة المتابعات والاتصالات من قبل وزارة الطاقة. إلى أن أرسل المدراء التنفيذيون لشركات التحالف رسالة في إبريل 2025 يبدون فيها استعدادهم للاستثمار في البلوك 8 فقط، وعدم الاهتمام بالبلوك 10. وتم في حينه الرضوخ لرغبة التحالف بالاستناد إلى «فتوى» قانونية بالاستفادة من قانون تمديد المهل، وهي فتوى قد تكون موضع طعن من قبل مجلس شورى الدولة.

سلبيات وإيجابيات القبول بعرض توتال

لتقليل الشرح، كان وزير الطاقة وهيئة إدارة قطاع البترول والحكومة أمام أحد خيارين: إما القبول بالعرض الجديد المقدم من قبل التحالف على البلوك 8، أو رفضه. فما هي سلبيات وإيجابيات كل خيار؟

  1. سلبيات القبول بالعرض: انكشاف ضعف موقف لبنان تجاه تحالف توتال، وذلك على أي حال نتيجة طبيعية للأوضاع السياسية والإدارية وعدم ملاءمة مناخ الاستثمار، إضافة إلى عدم وجود إمكانية لتصدير الغاز في ظل رفض الارتباط بالشبكة الإقليمية لإيصال الغاز إلى محطات التسييل المصرية.
  2. إيجابيات القبول: البقاء على خريطة الاستكشاف والإنتاج في شرق المتوسط. باعتبار أن عرض التحالف هو الوحيد المتاح ليس الآن فقط، بل على مدى السنوات الماضية وربما المقبلة. وبهذا المعنى يتضح تهافت الحديث عن حصر التعامل مع توتال بسبب «الهوى» الفرنسي للوزير أو بسبب مؤامرات «كونية» لتركيع لبنان. وكأن شركة “إيني” الإيطالية وشركة “قطر للطاقة”، شركتان تابعتان لشركة توتال أو تدوران في فلك السياسة الفرنسية.

هل أخطأ الوزير؟

الجواب: نعم. والسبب أن المسح كان سينجز خلال 15 يوماً كحد أقصى، أي قبل تلزيم البلوك لتحالف توتال، ما يشكّل مكسباً بالغ الأهمية للبنان بتوفير بيانات حديثة عن المكامن المحتملة، خاصة وأن البلوك 8 يعتبر من أكثر البلوكات اللبنانية قابلية لوجود كميات تجارية من الغاز. كما أن إنجاز المسوحات يشكل ورقة تفاوض قوية مع توتال وغيرها من الشركات.

إقرأ أيضاً: 9 أسئلة حول بترول لبنان: دولة «تنقب» عن التعطيل وشركات «تستكشف» الأعذار

يضاف إلى ذلك أن طريقة منع الشركة من مباشرة المسح جاءت كما قيل بسبب ضغوط قوية مارستها توتال وعلى أعلى المستويات على الوزير. ووصلت إلى حد التهديد بالانسحاب نهائياً من لبنان. وهناك من يقول إن الوزير كان بإمكانه إدارة المفاوضات باقتدار أكبر، مستفيداً من حرص توتال على الفوز بالبلوك رقم 8. وتمرير عملية المسح خاصة وأنها لا تضر بالمصالح الفعلية لشركة توتال.

… ولكن، هذا جانب من الصورة، أما الجانب الآخر فهو أن الوزير جو الصدّي والحكومة من ورائه، اعتبر أن «عصفوراً في اليد خير من عشرة على الشجرة». خاصة وأن توافر المسوحات الزلزالية ثلاثية الأبعاد يبقى عاملاً ثانوياً في قرار الاستثمار لدى الشركات النفطية. وبالتالي كان القبول بعرض التحالف يؤمن استمرارية ععمليات الاستكشاف والانتاج.

«تي.جي.أس» ليست ضحية

في هذا الجانب أيضاً، تبرز تساؤلات مشروعة حول ملابسات المسوحات في البلوك رقم 8 سواء من قبل شركة “تي جي أس” أو من قبل وزارة الطاقة، وأهمها:

  • تقديم شركة “تي جي أس” وكأنها ضحية لتعنت وزارة الطاقة وجبروت شركة توتال، فيه قدر كبير من التبسيط والتمويه. فالشركة لم تبادر إلى تنفيذ العقد الموقّع معها إلا بعد معرفتها بتقدّم المفاوضات مع توتال واقتراب موعد تلزيم البلوك 8 لها. ويتضح ضعف صورة «المظلومية» التي تحاول الشركة رسمها من قيامها بتسريب متقن وممنهج لملابسات منعها من العمل، والذي تضمّن رقماً محدداً للتعويض الذي قد تطالب به الدولة وهو 4.5 ملايين دولار.

وللتذكير فقط، نشير إلى أن شركة “تي جي أس” كان قد استحوذت على شركتي”سبكتروم” و”بي جي أس”. وهذه الأخيرة قامت بعمل مسوحات زلزالية في البلوك رقم 8. وسلمت حينذاك الداتا إلى إسرائيل، ولم يتم تسليمها إلى لبنان إلا بعد سنوات طويلة من المفاوضات والدعاوى القضائية التي قادتها وزارة الطاقة والوزير جبران باسيل.

  • لماذا لم تبادر وزارة الطاقة إلى إجراء مسوحات للبلوك 8 طوال السنوات الماضية؟. ولماذا تم تلزيم المسح في العام 2023 لشركتين مغمورتين، مصرية وإنكليزية، ليست لديهما أي تجربة سابقة في المسوحات الزلزالية؟. ولماذا لم يُنفّذ العقد رغم اعتبار الوزير وليد فياض أن هذا التلزيم هو المحطة الرابعة في مسيرة الغاز، بعد وضع الإطار التشريعي والتنظيمي، وتلزيم البلوكين 4 و 9، والترسيم البحري مع إسرائيل؟

سواء أخطأ الوزير أم أصاب، فذلك يبقى تفصيلاً وصرفاً للأنظار عن المشاكل الفعلية التي تعيق استغلال موارد النفط والغاز. وأهمها عدم وجود مناخ استثماري ملائم على المستويات السياسية والإدارية والبنية التحتية. وكذلك صرفاً للأنظار عن الإنجازات المحققة على صعيد الإطار التشريعي والتنظيمي والفرص الكبيرة المتاحة لاستغلال هذه الموارد إذا تم إخراج الملف من «زواريب» السياسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى