خط أنابيب كردستان – تركيا: رعاية أميركية لتسوية نفطية بأبعاد سياسية

أهمية إعادة العمل بخط أنابيب كردستان ـ تركيا (الخط الكردي)، لا تقتصر على الجانب النفطي ـ الاقتصادي. فهي تحمل أبعاداً سياسية أهم سواء على مستوى العلاقة بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان. أم على مستوى تعزيز الدور التركي في العراق على حساب الدور الإيراني. كما أن هذا الخط قد يشكل تعويضاً استباقياً لتركيا عن جزء من النفط الروسي إذا قررت ـ كما هو مرجح ـ المشاركة في حملة تشديد العقوبات على روسيا.

الخط الكردي على أنقاض الخط العراقي

لتوضيح أبعاد وأهمية التسوية المركبة التي تمت برعاية أميركية، نشير إلى أن خط كردستان تم استحداثه على عجل بعد توقف خط كركوك ـ شيحان (الخط العراقي). وذلك بعد تعرضه للتخريب والتوقف عام 2014، إبان سيطرة “داعش” على المنطقة التي يمر بها. وقد سارعت تركيا وحكومة كردستان بدعم أميركي إلى إنشاء الخط الكردي الذي يمتد من كركوك عبر أراضي إقليم كردستان إلى منطقة فيشخابور. وتحملت شركات النفط الأجنبية والروسية تكاليف الإنشاء، مقابل رسوم عبور مرتفعة.

إقرأ أيضاً: نفط «بابا كركر» إلى تركيا عبر «الخط العراقي».. وإغلاق «الخط الكردي»

وقد تم استبعاد الحكومة العراقية بالكامل، ليس من الإشراف على الخط فحسب. بل من المشاركة في عائدات التصدير التي احتكرتها حكومة كردستان. وتمكن العراق في العام 2023 من استصدار قرار من محكمة تحكيم دولية (غرفة التجارة الدولية ـ فرنسا) بوقف العمل بهذا الخط. مع إلزام تركيا بدفع 1.5 مليار دولار كتعويض عن النفط المُصَدَّر عبر الخط. ما خلق أزمة كبيرة مع الأطراف المتضررة وهي حكومة كردستان، تركيا والشركات النفطية، وأميركا.

وقامت وزارة النفط العراقية في حينه، بإبلاغ حكومة كردستان والشركات النفطية المالكة للخط بأن العقود الموقعة غير قانونية وهي بحكم الملغاة. واشترطت لإعادة تشغيل الخط توقيع عقود جديدة مع الحكومة الاتحادية وليس مع حكومة كردستان. على أن تتضمن تلك العقود تخفيض رسوم النقل. وقد تعثرت طوال العامين الماضيين كل الجهود لإعادة تشغيل الخط بسبب رفض هذه الشروط من قبل حكومة كردستان والشركات النفطية.

أميركا تتدخل وتحسم

وضع الموقف الحازم للحكومة العراقية الشركات النفطية وحكومة كردستان وتركيا، أمام مأزق الخسائر المالية الكبيرة. وزاد الضغط بعد نجاح العراق بتأهيل «الخط العراقي» (كركوك ـ شيحان) وإعادة تشغيله في أبريل 2024. هذا التطور دفع الولايات المتحدة إلى قيادة جهود منسقة مع تركيا لإيجاد حل يضمن استئناف التصدير عبر الخط الكردي. وتزامن ذلك مع تصاعد الحاجة لإيجاد إمدادات نفطية جاهزة لتعويض النقص المحتمل جراء تشديد العقوبات على النفط الروسي والإيراني. وكذلك جراء أية تطورات عسكرية وأمنية تؤثر على نقل النفط عبر مضيق هرمز.

أقرأ أيضاً: ممر زنغزور وقناة التنمية العراقية يطلقان خط تركيا ـ آسيا

ونص الاتفاق ـ حسب ما أعلن وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، في مؤتمر صحافي ـ على تسليم 190 ألف برميل يومياً من نفط الإقليم إلى شركة تسويق النفط الوطنية «سومو»، على أن تتقاضى الشركات النفطية في كردستان 16 دولاراً عن كل برميل لتغطية تكاليف الاستخراج والنقل. كما نص على تخصيص 50 ألف برميل للاستهلاك المحلي في الإقليم. أما إيرادات التصدير فتُودع في الخزينة العامة للدولة.

الرابحون والخاسرون

مع أن الاتفاق يحقق مصالح كل الأطراف المعنية، إلا أن العراق يعتبر الرابح الأكبر على عدة مستويات. أولها وأهمها، حسم الخلاف التاريخي مع إقليم كردستان بشأن إنتاج وتصدير النفط وتقاسم العائدات المالية. وثانياً خلق منفذاً إضافياً وآمناً لصادراته النفطية بعيداً عن مضيق هرمز. وهذا البعد لم يكن غائباً عن واشنطن، التي تدرك أن تشغيل الخط يحدّ من قدرة إيران على استخدام ورقة المضيق للضغط السياسي والأمني على العراق. خاصة أن الطاقة التصميمية لخطي الأنابيب “الكردي” و”العراقي” تبلغ حوالي 750 ألف برميل يومياً.

بالنسبة لتركيا، فقد نجحت بتحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة علاقتها بكل من بغداد وأربيل، عبر لعب دور الوسيط الضامن للاتفاق. ما يسهم بتعزيز نفوذها الإقليمي في ظل تراجع هوامش المناورة أمام إيران وروسيا. كما يسهم أيضاً في تحقيق مكاسب مالية مهمة من رسوم العبور، إضافة إلى تنويع مصادر استيراد النفط وتقليص ارتهانها للنفط الروسي.

أميركا الرابح الدائم

أما أميركا، فتعتبر الرابح الدائم. فقد نجحت في إزالة التوترات المُضِرّة بين حلفائها. وذلك ما عبر عنه بوضوح بيان وزارة الخارجية الأميركية بالقول: إن «الاتفاق يشكل خطوة كبيرة نحو تهدئة التوترات الإقليمية وتعزيز الاستقرار». كما نجحت في إرضاء شركات النفط. إضافة إلى تقليص الضغوط التي تمارسها إيران على العراق. وذلك ما أكده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتغريدة على منصة «إكس» بقوله: «الاتفاق، الذي سهلته الولايات المتحدة، يحقق فوائد اقتصادية كبيرة للمواطنين الأميركيين والعراقيين، مع التأكيد على سيادة العراق».

أهمية خط كردستان – تركيا لا تقتصر على البعد النفطي والاقتصادي. فالبعد السياسي ربما يكون الأكثر أهمية. فهل تصمد هذه التسوية المركبة التي رعتها أميركا أمام تعقيدات الداخل العراقي وضغوط الجوار الإقليمي؟

زر الذهاب إلى الأعلى