دراسة «كابسارك»: الحياد الصفري بالسعودية بين الإمكانيات وتحديات المعادن والأراضي
عرضها د. عمرو الشرفاء في مؤتمر ملتقى الطاقة العربي بأبوظبي
مع انتقال التزام السعودية بالحياد الصفري للانبعاثات بحلول العام 2060، من مستوى التعهدات إلى مستوى التنفيذ، برزت ضرورة انتقال موازٍ من مستوى التوجهات العامة إلى مستوى السياسات والخطط المبنية على دراسات معمقة، تنطلق من خصوصيات المملكة الاقتصادية والطبيعية والاجتماعية. وتستهدف رسم صورة واضحة لإمكانية تحقيق هذا الهدف والتكلفة المتوقعة تبعاً للسيناريوهات المحتملة.

وذلك ما يسعى إليه مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)، حيث أعد فريق من الباحثين دراسة بعنوان: «هل تملك المملكة العربية السعودية من الموارد والأراضي ما يؤهلها لتحقيق الحياد الصفري؟». وضم الفريق: سارة أبو عوف، خالد الحضرمي، فرانك فيلدر، عبدالإله درندري، و عمرو الشرفاء، الذي قام بعرض مخرجات الدراسة في المؤتمر السنوي لملتقى الطاقة العربي، الذي عُقد في أبوظبي مؤخراً.
التركيز على قطاع الكهرباء
تميزت الدراسة بأنها تقارب هذه القضية الحساسة من زاوية مختلفة عن الخطاب السائد. فهي لا تنطلق من السياسات والأهداف المناخية، أو السياسات العامة لتخفيض الانبعاثات، بل من قطاع محدد هو توليد ونقل الكهرباء، الذي يعتبر أحد أبرز القطاعات المولدة للانبعاثات. كما تنطلق من بناء توقعات علمية دقيقة لنمو الطلب ولمحددات وتكلفة تلبيته اعتماداً على مصادر الطاقة المتجددة. وأبرز المحددات التي تعرضت لها الدراسة: الأراضي، المعادن، التوليد والنقل.
تعتمد دراسة كابسارك منهجية كمية صارمة، تقوم على نمذجة سيناريوهات الطاقة حتى منتصف القرن. وتقدير الاحتياجات المادية اللازمة لتحقيق الحياد الصفري بالسعودية. ولا تفترض الدراسة أن التحول الطاقي مسار تلقائي، بل تعتبره عملية إعادة هندسة شاملة للاقتصاد، تتطلب موارد ملموسة قد تتحول بدورها إلى نقاط اختناق.
وتنطلق الدراسة من ثلاثة أسئلة مركزية:
- هل تتوافر الأراضي الكافية لنشر واسع للطاقة المتجددة؟
- هل يمكن تأمين المعادن والمواد اللازمة دون خلق تبعيات جديدة؟
- هل تتحمل الشبكات الكهربائية والمائية هذا التحول؟
وفي محاولة للإجابة على هذه الأسئلة، تحرّت الدراسة إمكانية تحقيق الحياد الصفري عن طريق الاستعانة بأربعة نماذج، هي:
نموذج التوليد والنقل:
استخدمت الدراسة نموذجاً يُمثل أحدث ما وصلت إليه ممارسات توسعة سعتي توليد الكهرباء ونقلها. يعتمد النموذج على القياس الدقيق على مدار الساعة، وذلك لتقييم 18 تقنية لإمدادات الكهرباء وتخزين الطاقة.
وتؤكد الدراسة أن الحياد الصفري بالسعودية يعني عملياً كَهْرَبة قطاعات واسعة من الاقتصاد، لا سيما النقل والصناعة. ووفق سيناريوهات كابسارك، قد يرتفع الطلب على الكهرباء في المملكة إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف مستواه الحالي بحلول منتصف القرن.
وهذا التحول لا يقتصر على بناء محطات توليد جديدة، بل يتطلب إعادة تصميم شبكات النقل والتوزيع، وإدخال أنظمة تخزين واسعة النطاق، ورفع مرونة الشبكة لاستيعاب مصادر متقطعة مثل الشمس والرياح.
وتشير التقديرات إلى أن تطوير الشبكات وحده قد يستحوذ على 30–40 في المئة من إجمالي كلفة التحول الطاقي.
نموذج المعادن النادرة:
ترتكز المنهجية على بيانات القيود العالمية المتعلقة بالمعادن الحرجة، بعد تكييفها لتلائم السياق السعودي. وتمت دراسة الإمدادات العالمية لـ 38 مادة تُستخدم في تقنيات الطاقة النظيفة. وأظهرت الدراسة أنه، بالمقارنة مع محطات توليد الكهرباء بالغاز، فإن محطات الطاقة الشمسية تحتاج إلى نحو 5 أضعاف النحاس لكل وحدة طاقة. أما توربينات الرياح فقد تحتاج من 6 إلى 9 أضعاف كثافة المعادن. في حين تعتمد البطاريات بشكل أساسي على الليثيوم والنيكل والكوبالت.
وتشير الدراسة إلى أن الطلب العالمي على بعض هذه المعادن قد يرتفع بمعدل 3 إلى 4 مرات بحلول 2040. كما تشير إلى أنه، رغم امتلاك المملكة موارد معدنية واعدة، فإن تطوير التعدين يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل. كما أن سلاسل الإمداد العالمية شديدة التركز جغرافياً. وهو الأمر الذي يعرّض مشاريع التحول لمخاطر جيوسياسية وتقلبات سعرية.
وتوقفت الدراسة عند مخاطر أن يؤدي الانتقال الطاقي إلى نقل التبعية من الوقود الأحفوري إلى المعادن الحرجة.
نموذج استغلال الأراضي
تم اعتماد أحد نماذج موارد الأراضي المكون من ستة مستويات، والمرتكز على أنظمة المعلومات الجغرافية. وتبيّن أنه، رغم امتلاك السعودية إحدى أكبر الميزات النسبية في مجال الطاقة الشمسية عالمياً، سواء من حيث الإشعاع الشمسي أو المساحات الشاسعة، فإن الدراسة تحذر من الخلط بين التوفر النظري والقابلية العملية للاستخدام.
وتشير تقديرات كابسارك إلى أن تحقيق سيناريو متقدم للحياد الصفري يتطلب تركيب عشرات الغيغاواطات من الطاقة الشمسية. ووفق المعايير الدولية، يحتاج كل غيغاواط من الطاقة الشمسية إلى ما بين 20 و25 كيلومتراً مربعاً من الأراضي. ما يعني أن تركيب 100 غيغاواط من الطاقة الشمسية يحتاج إلى مساحة تتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة مدينة كبرى كاملة.
نموذج توقعات الطلب
تستند توقعات الطلب إلى نموذج اقتصادي للطلب على الكهرباء في كل منطقة على حدة، ويشمل هذا النموذج توقعات إجمالي الناتج المحلي وعدد السكان وغيرها من المعلمات، في دراسة هي الأولى من نوعها من حيث الاستعانة بإطار النمذجة المذكور لوضع توقعات تحقيق الحياد الصفري.
ووفق سيناريوهات كابسارك، قد يرتفع الطلب على الكهرباء في المملكة إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف مستواه الحالي بحلول منتصف القرن.
الخلاصة
أوضحت دراسة كابسارك أنه من الممكن تحقيق الحياد الصفري لانبعاثات قطاع الكهرباء السعودي بحلول 2060. لكن التكلفة ستكون أعلى من تكلفة سيناريو العمل كالمعتاد. فمن بين التحديات التي يمكن أن تعرقل عملية التحول شُحّ بعض المعادن الحرجة من إجمالي 38 معدناً مشمولاً بالدراسة. وأشارت إلى إمكانية اتخاذ تدابير كثيرة لاجتياز هذا التحدي، من بينها استخدام تقنيات بديلة، واستغلال المخزون الاحتياطي، وإبرام العقود المالية. وبشكل عام، لا تمثل موارد الطاقة المتجددة وتوفر الأراضي عائقاً كبيراً، لكن مسألة محدودية الأراضي تتضح جليّاً في المنطقة الشمالية الشرقية.




