دولة فلسطينية في البحر، عاصمتها حقل غاز «غزة مارين»

مسار أميركي متدرج نحو الدولة الفلسطينية يبدأ بالسيادة الاقتصادية تحت إشراف دولي

هل تضغط الإدارة الأميركية على إسرائيل للسماح بتنفيذ الخطة المصرية لتطوير حقل غاز «غزة مارين»؟. وليشكّل ذلك دليلاً على أن موجة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين لا تنفصل عن مسار أميركي موازٍ، لكنه متدرّج وأكثر مراعاة لإسرائيل. ويقوم على دولة فلسطينية معترف بها دولياً، تكون أولى أدوات سيادتها إدارة مواردها الاقتصادية تحت إشراف إقليمي ودولي.

ما هي المعطيات والتطورات التي تدعم هذا الطرح ؟

  1. استغلال موارد الغاز في بحر فلسطين لصالح الفلسطينيين يأتي متسقاً مع خطة ترامب للحل وإنهاء حرب غزة. وكذلك مع رؤيته للتسويات في المنطقة، القائمة على البعد الاقتصادي والاستثمارات الخاصة في مشاريع كبرى، وفي الممرات التجارية والاستثمارية البديلة للممرات الصينية.
  2. يخدم استغلال موارد الغاز رؤية واشنطن بضرورة ربط فلسطين بالمجال الاقتصادي الإقليمي الذي ترعاه السعودية ودول الخليج ومصر والأردن. ما يسمح بإدماج غزة والضفة في شبكة الاستثمار العربي والمشاريع التنموية الكبرى.
  3. إن موجة الاعترافات الدولية المفاجئة من قبل أقرب حلفاء أميركا وأشدّ المعارضين لقيام دولة فلسطينية مثل بريطانيا، لا تحمل بعداً دبلوماسياً رمزياً فقط. بل تفتح باباً قانونياً أمام مطالبة الفلسطينيين باستغلال الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الغاز في المياه البحرية الفلسطينية.
  4. تشكّل الموارد المالية المتوقعة لحقل «غزة مارين» ، مصدر دخل واقعي ومستدام يُسهم في تغطية جزء من نفقات إعادة الإعمار. ويوفّر طاقة محلية مستقلة عن إسرائيل. خصوصاً وأن احتياطيه يبلغ حوالي 30 مليار م³. أي ما يكفي لتغطية احتياجات فلسطين لعقدين وتوليد مئات ملايين الدولارات سنوياً. إضافة إلى أنه يقع على بعد 36 كلم فقط من الساحل وفي مياه ضحلة. كما أنه قريب من محطات التسييل المصرية. الأمر الذي يجعل تطويره من أقل المشاريع تكلفة في شرق المتوسط.

هل يوجد سند قانوني؟

بالتأكيد، فدولة فلسطين قائمة بموجب القانون الدولي وقرار الأمم المتحدة رقم 242. وتم قبولها كدولة غير عضو في الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 2012. وقامت بتوقيع عشرات المعاهدات والاتفاقيات الدولية منذ العام 2014، التي رسّخت موقعها القانوني كدولة. ومن بينها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS). التي انضمت إليها في العام 2015. في حين أن إسرائيل لم تنضم أصلاً إلى هذه الاتفاقية.

كما قامت دولة فلسطين بترسيم حدودها البحرية مع إسرائيل وقبرص ومصر من جانب واحد. إسوة بما فعلته كل دول شرق المتوسط، بما فيها إسرائيل. وتم إيداع الترسيم لدى الأمم المتحدة في العام 2019. وتعادل المنطقة الاقتصادية الفلسطينية تبعاً لهذا الترسيم قرابة خمسة أضعاف المساحة المحددة تبعاً للترسيم الإسرائيلي.

والأهم أن حقل غاز «غزة مارين» يقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة لدولة فلسطين تبعاً للترسيم الإسرائيلي. ما يعني أنه ليس موضع نزاع حدودي، الأمر الذي يسمح لشركات النفط بالمشاركة في تطويره.

ما هو الدور المصري في استغلال الحقل؟

من المعروف أن حقل «غزة مارين» تم اكتشافه في العام 2000. وقد أفشلت إسرائيل كل محاولات استغلاله من قبل شركات دولية مثل «بريتش غاز» و«شل». لكنها اضطرت للموافقة على تطويره عبر صفقة سياسية – قانونية – طاقوية مركبة قادها وزير البترول المصري السابق طارق الملا بدعم مباشر من الرئيس المصري وبموافقة إدارة بايدن.

اتفاقية ألزمت إسرائيل في 2023 بتمكين «إيجاس» المصرية من تطوير حقل غزة لصالح الفلسطينيين

وتضمنت الصفقة إبرام عدة مذكرات تفاهم واتفاقيات بين العامين 2021 و2023، نصّت على قبول مصر تصدير الغاز الإسرائيلي عبر محطات التسييل المصرية. وكان ذلك الحل الوحيد أمام إسرائيل للاستجابة لشرط الشركات النفطية الدولية للمباشرة في تطوير حقل ليفياثان.
أما الثمن فكان موافقتها على توقيع مذكرة تفاهم في العام 2021، تحولت في العام 2023 إلى اتفاقية ملزمة. وتقضي بدخول شركة «إيجاس» المصرية الحكومية كشريك في امتياز حقول الغاز في بحر فلسطين إلى جانب صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة اتحاد المقاولين (CCC) .

ونصت الاتفاقية على أن تتولى الشركة المصرية المباشرة فوراً بتطوير حقل «غزة مارين» وتزويد دولة فلسطين بحاجتها من الغاز. على أن يتم تصدير الكمية الفائضة وتحويل العوائد المالية مباشرة إلى الفلسطينيين. لكن اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 جمّد المسار بالكامل وأعاد المشروع إلى المربّع الأول.
وعليه، فإن إسرائيل لا يمكنها عملياً الاعتراض على دعم واشنطن لمسار «السيادة الاقتصادية» لدولة فلسطين على موارد الغاز. لأنها موافقة أصلاً على ذلك. خصوصاً وأن مصر تتولى قيادة ترتيبات الاستغلال مع ضمان ضبط أمني كامل من الجانب الإسرائيلي.

لماذا لا تعترض السلطة على مصادرة بحر فلسطين؟

تبقى الإشارة إلى مسألة بالغة الأهمية. تتمثل بضرورة أن تبادر السلطة الفلسطينية، والرئيس محمود عباس شخصياً، إلى اتخاذ خطوة بديهية يختم بها حياته السياسية. وهي تسجيل اعتراض لدى الأمم المتحدة على قيام إسرائيل بتاريخ 29 أكتوبر 2023. أي في أوج الحرب على فلسطين، بمنح 12 رخصة للتنقيب عن الغاز في البلوكات الجنوبية.
وتضم هذه البلوكات مساحة تتراوح بين  62 و 73 في المئة من المنطقة الاقتصادية الخالصة لدولة فلسطين.

إسرائيل تمنح تراخيص للتنقيب في بحر فلسطين، والاعتراض الوحيد جاء من البرلمان الإيطالي ومنظمات حقوقية فلسطينية

ورغم صعوبة أن تؤدي هذه الخطوة إلى إعادة النظر بالترسيم الإسرائيلي، لكنها تثير نزاعاً قانونياً حول الحدود البحرية، ما يمنح الفلسطينيين ورقة قوية في المفاوضات المقبلة حول موارد الدولة الفلسطينية العتيدة.
كما يؤدي ذلك إلى إرباك الشركات الدولية الفائزة بالتراخيص، مثل «إيني» الإيطالية و«بي.بي» البريطانية و«سوكار» الأذربيجانية. لأن المساحات المرخصة تصبح ضمن مناطق متنازع عليها. واستغلال موارد تلك المساحات يمكن أن يُصنَّف كجريمة حرب بموجب قانون المحكمة الجنائية الدولية، تحت بند «نهب موارد الدول الواقعة تحت الاحتلال».

توضح الصورة أن غالبية المساحات المرخصة تقع في المياه الفلسطينية

وهذا الكلام ليس أوهاماً أو تمنيات، بل واقعاً ومعطياتٍ ملموسة. إذ بادرت أربع منظمات حقوقية فلسطينية في مطلع فبراير 2024  إلى توجيه إخطارات، عن طريق مكتب دولي للمحاماة، إلى الشركات الفائزة بالتراخيص، تطالبها بوقف أيّ نشاطٍ في المساحات المتنازع عليها مع دولة فلسطين. وذلك تحت طائلة رفع دعاوى مدنية ضدّها، إضافةً إلى اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية.

البرلمان الإيطالي يستجوب الحكومة و «إيني»

وللدلالة على أهمية هذه المبادرة الحقوقية، فقد استندت إليها بعض الأحزاب في البرلمان الإيطالي، لطلب عقد جلسة استماع ومساءلة عاجلة للحكومة ولشركة «إيني». وطالبت تلك الأحزاب الحكومة بشرح «كيف يمكن توقيع عقودٍ تسلب موارد مملوكة للشعب الفلسطيني. كما طالبت بتقديم إجابات عن «سبب هذا العمل الذي يُلحق العار بسمعة إيطاليا».

فهل يكون حقل غاز «غزة مارين» هو الاختبار الأول لجدّية الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في فرض «السيادة الاقتصادية» لدولة فلسطين كمقدّمةٍ لفرض السيادة السياسية؟.
فتولد الدولة الموعودة في البحر…  وتترعرع لاحقاً على البر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى