زيادة إنتاج «أوبك بلس»: استعادة الحصة السوقية وحماية تماسك التحالف

قرار تحالف “أوبك بلس” زيادة الإنتاج بمقدار 137  ألف برميل يومياً، تم تفسيره بطرق مختلفة، وحُمِّل أكثر مما يحتمل. فهو مجرد تعديل متوقَّع ومقرَّر لإنهاء التخفيضات الطوعية التي التزمت بها بعض الدول. والهدف منه وقف استغلال الشركات النفطية وبعض الدول من داخل وخارج التحالف لهذه التخفيضات لزيادة إنتاجها.

القراءة الدقيقة للقرار تشير إلى أنه ليس خروجاً على نهج “أوبك” التاريخي، بل استمرارٌ لسياسة قديمة قوامها لجوء الدول النفطية الكبرى إلى الدفاع عن حصتها لا عن الأسعار، حين يتجاوز المنتجون الآخرون التزاماتهم. وخاضت هذه الدول عدة جولات من “حروب الأسعار” لحماية نصيبها من السوق. كان أهمها بين عامي 1985-1986  بمواجهة إيران. وبين 2014-2016  بمواجهة روسيا وأميركا. وجاء إنشاء تحالف “أوبك بلس” ذاته كتسوية لهذه الحرب بعد انهيار الأسعار من نحو 100  دولار إلى 26 دولاراً للبرميل. أما الجولة الثالثة فكانت في عام 2020، حيث انهار سعر العقود الآجلة إلى ما دون الصفر. فعاد الجميع إلى جادة العدل والصواب. واقتنعوا مؤقتاً بأن الحفاظ على سعر عادل للنفط هو مسؤولية كل المنتجين وليس بعضهم.

استعادة ما فُقد: 5.66 ملايين برميل في الميزان

يهدف القرار الأخير قبل كل شيء إلى استعادة جزء من الإنتاج الذي تم التضحية به عبر سلسلة من التخفيضات بلغ مجموعها نحو 5.66 ملايين برميل يومياً. وهو يتعلق بالتخفيض الطوعي الأول وقدره 1.66 مليون برميل يومياً الذي التزمت به تسع دول. وكان مقرراً البدء بإلغائه في نهاية عام 2025 بعد تمديد العمل به. لكن تقرر تقديم الموعد ليأتي مباشرة بعد انتهاء الزيادات الشهرية المتعلقة بإلغاء التخفيض الطوعي الثاني، وقدره 2.2 مليون برميل يومياً. ويبقى التخفيض الرسمي أو الإلزامي بمقدار 2 مليون برميل يومياً مطبَّقاً على جميع الدول الأعضاء باستثناء تلك الخاضعة للعقوبات. ويفترض أن ينتهي العمل به نهاية العام.

حماية “أوبك” وتحذير للدول والشركات

وعليه، فإن زيادة الإنتاج الحالية ليست سوى استعادةٍ للحصة السوقية التي تخلت عنها بعض الدول طوعاً. ولسان حالها يقول: إذا كان هناك طلب كافٍ، فيجب على الجميع الاستفادة منه بطريقة عادلة. وليس استغلال التخفيضات من قبل بعض أعضاء التحالف أو دول غير أعضاء، وحتى من قبل دول أخرى دخلت حديثاً نادي الدول المنتجة للنفط.

نشبت عدة حروب أسعار لحماية الحصة السوقية للدول النفطية الرئيسية وإلزام الجميع الوفاء بتعهداتهم

وبهذا المعنى، فإن إلغاء التخفيضات الطوعية خطوة ضرورية لحماية تماسك تحالف “أوبك بلس”، بل ولحماية منظمة “أوبك” ذاتها. وذلك بعد تصاعد اعتراض وغضب عدة دول، وفي مقدمتها دولة الإمارات، من التمادي في خرق الالتزام بحصص الإنتاج المقررة من قبل بعض أعضاء التحالف مثل روسيا وكازاخستان والعراق. خاصة وأن دولاً مثل السعودية والإمارات استثمرت مليارات الدولارات لزيادة طاقتها الإنتاجية، في الوقت الذي أحجمت فيه معظم الدول والشركات النفطية عن الاستثمار في قطاع النفط والغاز.

ومع أن إلغاء التخفيضات الطوعية، وربما الإلزامية لاحقاً، لا يعني احتمال إشعال حرب أسعار جديدة، فإنه يمثل رسالة تحذير مزدوجة موجهة إلى:

  • الدول المنتجة من خارج التحالف: وتشمل بشكل رئيسي الولايات المتحدة والبرازيل وغيرها، إذ شهد إنتاج هذه الدول ارتفاعاً قياسياً خلال السنوات الثلاث الماضية.
  • الشركات النفطية الكبرى: التي استغلت فترة التخفيضات لزيادة الإنتاج في الدول التي تعمل فيها بهدف تحقيق أرباح كبيرة وإرضاء المساهمين. إلى جانب اندفاعها لتكثيف عمليات الاستكشاف والتنقيب في دول غير نفطية. خاصة في أفريقيا، حيث تحصل على شروط وتسهيلات غير مسبوقة.

الطلب: بناء مخزونات استراتيجية وتجارية بالصين

السؤال الكبير المطروح: هل يتماشى قرار “أوبك بلس” مع معطيات العرض والطلب في السوق؟

رغم التفاوت في تقديرات الطلب، فإن منظمة أوبك – التي ثبت أن تقديراتها أكثر دقة عادة – تتوقع أن ينمو الطلب بحوالي 1.3  مليون برميل يومياً. وتقدّر المنظمة أن يحقق الاقتصاد العالمي نمواً بنسبة 3.1  في المئة عام 2026. أما وكالة الطاقة الدولية، فترى أن نمو الطلب في العامين الحالي والمقبل سيكون أقل من نصف الوتيرة المسجلة في عام 2023.

القرار يتعلق بإلغاء التخفيض الطوعي الأول، الذي التزمت به 9 دول باعتبار أنها الأولى بتصدير نفطها من بقية الدول

ورغم التراجع النسبي في النمو الاقتصادي الصيني، الذي جعل الصين أقل قدرة على امتصاص الفائض العالمي كما في العقد الماضي، فإن هناك تطوراً مهماً لصالح نمو الطلب يتمثل في اتجاه الصين إلى بناء احتياطيات استراتيجية وتجارية. تتعلق إما بالتخوف على أمن الإمدادات من التطورات السياسية والأمنية. وإما بالتخوف من التقلبات الحادة في الأسعار. ومع أن حجم هذه الاحتياطيات غير معلن لأنها تُعد من «أسرار الدولة»، تشير التقديرات إلى أن حجم الواردات المخصصة للتخزين يتراوح بين 200  و 250 ألف برميل يومياً. كما تشير إلى أن المستودعات العائمة أو تحت الأرض لا تزال فارغة بنسبة تتراوح بين 30 و 40 في المئة.

العرض: فائض نسبي وضغوط سعرية

تشير بيانات العام الحالي إلى أن متوسط الإنتاج العالمي يزيد بنحو 1.4 مليون برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. أي أكثر من ضعف تقديرات وكالة الطاقة الدولية لنمو الطلب. ويُعَد هذا الفائض النسبي في المعروض من العوامل التي دفعت “غولدمان ساكس” إلى توقع انخفاض سعر خام برنت إلى نحو 65  دولاراً للبرميل بنهاية العام. بينما رجّح “بي إن بي باريبا” تباطؤ نمو المعروض في النصف الثاني من عام 2026، قبل أن تبدأ الأسواق بالتحسن التدريجي بعد ذلك.

حسابات سياسية واستباق للتوترات

لا يمكن فصل قرار “أوبك بلس” عن العوامل الجيوسياسية. فزيادة الإنتاج في هذا التوقيت يمكن قراءتها في ضوء احتمالات تدهور الأوضاع الأمنية في مضيقي هرمز وباب المندب. وكذلك في ضوء التصاعد المتوقع في تشديد العقوبات على النفط الإيراني والروسي. والزيادة بهذا المعنى تُصنَّف كإجراء احترازي لضمان مرونة الإمدادات، ورسالة طمأنة للأسواق بأن التحالف يمتلك القدرة على التعويض السريع لأي انقطاع محتمل، ما يعزز ثقة المستهلكين الكبار ويمنع القفزات السعرية المفاجئة.

استراتيجية تكيّف لا مواجهة

في المحصلة، يمكن وصف قرار “أوبك بلس” الأخير بأنه خطوة تكيفية أكثر منه تغييراً استراتيجياً. فالتحالف يسعى إلى موازنة معقدة بين حماية الأسعار وعدم خسارة الحصة السوقية.  وبين الاستجابة لتباطؤ الطلب العالمي والحفاظ على تماسكه الداخلي. والرسالة هي أن “أوبك بلس” أو الدول الرئيسية فيه لن تدافع عن الأسعار مهما كلف الأمر، وعلى الجميع تحمل الكلفة بشكل عادل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى