سلاسل إمداد الاندماج النووي: عائق أم فرصة استثمارية؟

«يتوقّف نجاح الانتقال من مرحلة المفاعلات البحثية والتجريبية إلى مرحلة المحطات التجارية، على مواجهة تحدّي إنشاء سلاسل إمداد للاندماج النووي. وهو ما يُمثّل في الوقت ذاته فرصة استثمارية لمن يدخل السباق مبكراً».

يُلخّص هذا القول للمدير التنفيذي لجمعية صناعة الاندماج اندور هولاند، التحديات التي تواجه طاقة الاندماج النووي، والفرص التي تخلقها. ويطرح ذلك مرة أخرى قضية دخول الدول النامية، بما فيها الدول العربية، ميدان الطاقة الاندماجية، التي يُرجَّح أن تُحدث انقلاباً في توليد الطاقة الكهربائية المتجددة والنظيفة.

العرض أولًا أم الطلب؟

يُذكّر مشهد سلاسل إمداد الاندماج النووي، بمشهد صناعات الفضاء والسيارات والطاقة الشمسية، حيث جرى تطوير شبكة متكاملة من مرافق إنتاج المكوّنات وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم. وينسحب هذا التشابه على الجدل القائم: من يأتي أولًا؟ الاستثمار في سلاسل الإمداد، أم نضوج السوق ووجود طلب حقيقي، يستند إلى نضوج التكنولوجيا وبناء أول محطة اندماجية؟

ارتفع الإنفاق العالمي على مكونات الاندماج النووي بنسبة 73% في 2024، و 63% من الشركات تعتبر ضعف سلاسل التوريد، عائقاً أمام التوسع

لكن، كالعادة، هناك دول ومستثمرون لا يقفون طويلاً أمام معادلة “البيضة والدجاجة”، بل يقررون أخذ زمام المبادرة.

ويتضح ذلك من تقرير مهم أصدرته جمعية صناعة الاندماج، يشير إلى أن الإنفاق العالمي على المكوّنات الصناعية المرتبطة بالاندماج النووي ارتفع بنسبة 73 في المئة خلال عام 2024، ليصل إلى نحو 7.15 مليارات دولار. لكن هذا النمو لا يعكس بالضرورة جهوزية سلاسل الإمداد. إذ يذكر التقرير أن نحو 63 في المئة من شركات الاندماج التي شملها استطلاع الرأي، أكّدت عدم قدرتها على التوسّع في بناء المحطات الاندماجية. وأرجعت السبب إلى ضعف سلاسل التوريد.

إقرأ: سباق الاندماج النووي: متى يغادر العرب مقاعد المتفرجين؟

من المعروف أن عدد الشركات الخاصة العاملة في قطاع الاندماج يرتفع بوتيرة سريعة، وقد بلغ حتى منتصف 2024 نحو 43 شركة، أكثر من نصفها تقريباً في الولايات المتحدة. وأعلنت أربع شركات عن توقيع اتفاقيات أو خطط لبناء محطات اندماجية لتوليد الكهرباء بحلول عام 2030. كما تستعد شركات مثل هيليون إنيرجي (Helion Energy) وجنرال فيوجن (General Fusion) لتشغيل وحدات شبه تجارية خلال السنوات الثلاث المقبلة. أما شركة كومنولث فيوجن سيستمز (Commonwealth Fusion Systems) فأعلنت عن استئجار أرض لبناء أول محطة اندماجية في ولاية فيرجينيا بطاقة 400 ميغاواط.

تغيير قواعد اللعبة

يمكن رصد أبرز التطورات التي تغيّر قواعد اللعبة في الطاقة الاندماجية في مسألتين:

  1. توالي الاختراقات التكنولوجية المذهلة في الدول الغربية والصين. وقد شملت هذه الاختراقات مختلف المجالات: من طرق الاندماج، ونوعية المفاعلات، إلى المواد المستخدمة وخاصة المغناطيسات، وصولاً إلى توليد طاقة أكبر من الطاقة المستخدمة، واستمرار عملية الاندماج لأوقات طويلة نسبياً.

  2. التحول الجذري في استراتيجية التصنيع، والانتقال إلى آلية استخدام أكبر عدد ممكن من المكوّنات الصناعية المتاحة في الأسواق، أو المصنّعة حسب الطلب من قبل طرف ثانٍ. ما يُسهم في تقليل التكلفة والوقت. وذلك مقابل الاستراتيجية السابقة التي تقوم على تصنيع المكوّنات داخل المشروع نفسه، كما في حالة مفاعل إيتر (ITER) الدولي، الذي لا يزال قيد الإنشاء وتجاوزت تكلفته 23 مليار دولار.

التنافس الدولي، عطّل دخول الدول العربية ميدان الطاقة النووية الانشطارية، ولكنه يعتبر حافزاً لدخول ميدان الطاقة الاندماجية

سباق مع الزمن

يحذّر تقرير جمعية صناعة الاندماج من خطورة هيمنة عدد محدود من المورّدين. وأكّد ذلك أندرو هولاند بقوله: “نحن في سباق مع الزمن. فإذا لم تُبنَ سلسلة توريد عالمية بالسرعة اللازمة، فقد يتعطّل مسار التحوّل نحو المحطات الاندماجية التجارية”. في المقابل، بدأت بعض الشركات الرائدة في بناء علاقات استراتيجية مع مورّدين جدد في قطاعات ذات صلة مثل الطيران والدفاع، للاستفادة من البنية التحتية المتقدّمة التي يمتلكونها.

كما تُطرح نماذج مماثلة لما حدث في قطاع الفضاء التجاري. حيث ساعدت المنافسة المفتوحة على خلق نظام إمداد عالمي متنوع وشبه مرن. ورغم أن قطاع الاندماج لا يزال في بدايته، فإن المسار يتّجه نحو إنشاء شبكة مورّدين عالمية متعددة المستويات.

فرصة للدول النامية

ومع بروز هذه التحولات، تبرز تساؤلات جدّية حول موقع الدول النامية والعربية في هذه السلسلة الناشئة. فحتى الآن، لم يتم تسجيل أي حضور فعلي للدول العربية في سلاسل إمداد الاندماج النووي، سواء من خلال الشركات الصناعية أو صناديق الاستثمار أو الشراكات البحثية. وهذا ما يجعل السباق على الموارد والمكوّنات فرصة لا تُعوّض لمن يُبادر اليوم. خصوصاً أن بنية السوق لم تتشكّل بالكامل بعد، مما يُتيح فرصاً مرنة للدخول بأقل المخاطر وأعلى العوائد.

إقرأ: طاقة الاندماج النووي: فورة استثمارات خاصة تعجل “موسم الحصاد” (2 من 5)

التنافس الدولي يحفّز المشاركة

يجدر التنبيه إلى أن التنافس بين الدول الكبرى، الذي أحبط في السابق طموحات الدول النامية في تطوير الطاقة النووية التقليدية بسبب السرّية وقيود حظر الانتشار، قد يتحوّل إلى حافز للدخول إلى ميدان طاقة الاندماج. فبخلاف الانشطار النووي، لا تخضع تكنولوجيا الاندماج للسرّية أو القيود التنظيمية والسياسية نفسها. بل على العكس، ستسعى الدول المتنافسة، أميركا والصين وأوروبا، إلى إقامة شراكات مع الدول النامية لتعميق الترابط معها.

كما أن طاقة الاندماج النووي غير قابلة للاحتكار أو المركزية. فهي بطبيعتها لا مركزية وتكاملية، سواء على مستوى العالم أو على مستوى كل دولة. وينطبق ذلك على الأبحاث والتطوير، مروراً بالتصنيع، وانتهاءً بإقامة المحطات الاندماجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى