قمة ألاسكا: تقاطع صفقات التاريخ مع صفقات النفوذ والمصالح
لم يكن اختيار ألاسكا لعقد قمة ترامب – بوتين قراراً بروتوكولياً عابراً، بل جاء محمّلاً برمزية جيوسياسية واقتصادية تعكس حالة المراوحة بين الصراع والتفاهم بينهما. فهذه الولاية، التي اشترتها أميركا من القيصر ألكسندر الثاني عام 1867 بأكبر صفقة عقارية ـ سياسية في التاريخ، قد تشهد أهم صفقة اقتصادية ـ سياسية مع «القيصر بوتين». أو تكون محطة جديدة للتعثر تزيد احتمالات الصدام بين أميركا وروسيا. دون أن يشكل ذلك بالضرورة خطاً فاصلاً نهائياً بينهما. فالعلاقات الدولية لا تعرف نجاحاً أو فشلًا مطلقاً.
كلام في السياسة
المتابع لمسار العلاقات الأميركية ـ الروسية يلحظ حالة التذبذب بين التقارب والتفاهم أو الصراع والصدام. ويُسجَّل في خانة التقارب مثلاً موافقة أميركية ضمنية أو علنية على منح روسيا نصراً عسكرياً واضحاً في أوكرانيا. والاعتراف بسيطرتها على شبه جزيرة القرم وبعض المناطق الشرقية. مع إقامة نظام جديد أقل عداء لروسيا. إضافة إلى موافقة الولايات المتحدة، ضمناً، على تعزيز الحضور الروسي في سوريا، سواء من خلال تثبيت وجودها في الساحل أو إعادة انتشار قواتها في الجنوب السوري، بموافقةإسرائيل.
إقرأ أيضاً: «أركتيك 2» يسيل غاز القطب الشمالي والعقوبات الأميركية «تجمده»
إقرأ أيضاً: الصراع على الموارد يشعل جليد القطب الشمالي
وفي المقابل، كان هناك مباركة روسية لمصالحة أذربيجان مع أرمينيا برعاية أميركية، وتنفيذ ممر زانجيزور (زنغزور) أو «ممر ترامب»، والذي يحمل تغييراً استراتيجياً في منطقة القوقاز لجهة محاصرة إيران، وفتح ممر شرق ـ غرب المنافس لمبادرة الحزام والطريق الصينية.
بوتين والخداع الاستراتيجي
لكن هذا الوجه من العلاقات لا يلغي الوجه الآخر الذي يطغى عليه الصراع والصدام. إذ يرى بعض المراقبين أن الرئيس بوتين يمارس سياسة «الخداع الاستراتيجي»، في ظل ارتباطه بحلف قوي مع الصين. وجل ما يسعى إليه هو الحصول على مكتسبات سياسية من أميركا وتجنب تشديد العقوبات، مقابل وعود لا يلتزم بها. كما حصل بالنسبة لإنهاء الحرب الأوكرانية. لكن القدرة على مواصلة المراوغة تبقى محدودة أمام أوراق القوة الأميركية التي ستفرض عليه الالتزام بوعوده وحسم خياراته.
ألاسكا نقطة تقاطع أم صراع؟
وبهذا المعنى، فإن قمة ألاسكا تشكل منعطفاً مهماً في مسار العلاقة بين روسيا وأميركا. خاصة أن هذه الولاية تجسد الرابط التاريخي والجغرافي بين البلدين. كما تمثل في الوقت ذاته خط المواجهة الأمامي بينهما. ما يجعلها موقعاً مثالياً لبحث كافة الملفات في سياق جيوسياسي يتجاوز حدود المنطقة. ولما كانت القضايا المتعلقة بالقطب الشمالي تصنَّف ضمن خانة الأولويات في استراتيجيات الأمن القومي لكل من واشنطن وموسكو، فإن التفاهم أو الاختلاف بشأنها يشكل مؤشراً مباشراً على مسار تطور العلاقات بينهما.
أقرأ: حرب معادن الأعماق: هل يكون أرخييل سفالبارد، إقليم دونباس نرويجي (2 من 2)
ملفات الصراع في القطب الشمالي
من أبرز الملفات التي تشكل عناصر للتصادم نرصد ما يلي:
- السيادة على الممرات البحرية: ترى روسيا أن “الممر الشمالي الشرقي” عبر سواحلها الإقليمية يقع تحت سيادتها الكاملة، وتفرض رسوم عبور وإجراءات خاصة، في مسعى لتعزيز نفوذها التجاري والعسكري، في حين تصر الولايات المتحدة على اعتبار هذه الممرات دولية، وأنه يجب أن تبقى مفتوحة أمام الملاحة من دون قيود. وتصاعدت أهمية هذه الممرات مع تزايد وتيرة ذوبان الجليد في القطب الشمالي.
- التنافس على الموارد الهيدروكربونية: تقدر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) أن القطب الشمالي يحتوي على نحو 13 في المئة من الاحتياطي العالمي غير المكتشف من النفط، ونحو 30 في المئة من الغاز الطبيعي. وقد نجحت الشركات الروسية مثل “غازبروم” و”روسنفت” في خلق بنية تحتية متطورة (موانئ، أسطول من الناقلات الكاسحة للجليد، ومشروعات ضخمة لإنتاج الغاز مثل يامال و«أركتيك 2». ما اضطر أميركا إلى فرض عقوبات قاسية أدت إلى تعطيل أو إعاقة تنفيذها. مع السعي لدفع الشركات الأميركية إلى تكثيف الاستثمار هناك.
- سباق التسلح والبنية التحتية العسكرية: قامت موسكو بإعادة تأهيل قواعد عسكرية سوفيتية قديمة. ونشرت منظومات دفاعية متطورة على طول الساحل القطبي. في حين كثفت واشنطن تدريباتها البحرية والجوية في ألاسكا. وعززت وجودها في جزيرة غرينلاند عبر شراكات مع الدنمارك.
- المعادن النادرة وسلاسل الإمداد: يحتوي القطب الشمالي على احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة الحيوية لصناعات التكنولوجيا والدفاع. وتسعى روسيا لاحتكار استخراج هذه المعادن. في حين تحاول أميركا كسر هذا الاحتكار عبر شراكات مع كندا والنرويج. وكل ذلك وسط نزاعات على الحدود البحرية، والفشل في إقرار قانون دولي ينظم استغلال المعادن النادرة في أعماق البحار.
أقرأ: ممر زنغزور وقناة التنمية العراقية يطلقان خط تركيا ـ آسيا
نتائج القمة ترسم مسار العلاقات
لكن، بالمقابل، فإن مجالات الصراع هذه قد تشكل مساحات لتقاطع المصالح والتعاون بين الطرفين، وبخاصة في مشروعات استخراج النفط والغاز، مع الحاجة المشتركة إلى استثمارات ضخمة وخبرات متقدمة للعمل في بيئة قطبية قاسية، إضافة إلى التنسيق في أسواق الطاقة واحتمال حدوث تفاهمات غير رسمية حول تسويق الغاز المسال. كما أن استقرار القطب الشمالي يعد مصلحة مشتركة لتجنب تصعيد عسكري قد يضر بمصالح الطاقة والتجارة للطرفين.
في النهاية، تبدو قمة ألاسكا اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن وموسكو على إدارة خلافاتهما من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، فهي ليست مجرد لقاء في ولاية أميركية، بل وقفة عند مفترق طرق يلتقي فيه التاريخ بالجغرافيا، والمصالح الوطنية بالتوازنات الدولية، وما ستسفر عنه هذه القمة قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في علاقة البلدين، سواء كانت قائمة على صفقات تبادل النفوذ أو على جولات جديدة من الصراع البارد في مناطق التماس الاستراتيجي.



