مؤتمر «مسارات متباينة لعدالة الطاقة»: بين وهم «الانتقال الطاقي» والتباس «العدالة الإقليمية»

شاركت مجلة وموقع «طاقة الشرق» في مؤتمر «مسارات متباينة نحو العدالة في مجال الطاقة: وجهات نظر مقارنة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». ونظمته مبادرة الإصلاح العربي. وتناولت المداخلة التي قدمها الناشر ورئيس التحرير  ياسر هلال المفاهيم الخلافية المرتبطة بالطاقة والمناخ، وفي مقدمتها مفهوم «الانتقال الطاقي» ومفهوم «العدالة الإقليمية» في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

وهم مفهوم الانتقال الطاقي

استهلّ هلال مداخلته خلال الجلسة الثالثة من المؤتمر الذي تميز بحسن التنظيم وموضوعية الطروحات  والمناقشات، بالإضاءة على حالة الالتباس المفاهيمي التي تحيط بمصطلحي الانتقال الطاقي والعدالة الإقليمية، وهما الموضوعان الرئيسيان للمؤتمر. وأوضح أن مفهوم الانتقال الطاقي، كما يُتداول اليوم، يقوم على فرضية غير دقيقة وغير واقعية. لأنه يفترض الانتقال من الطاقة الأحفورية إلى الطاقة المتجددة بمعنى الاستغناء التدريجي عن النفط والغاز والفحم. وهي فرضية لا يساندها التاريخ ولا التجربة العملية، إذ لم تشهد البشرية انتقالاً كاملاً من مصدر طاقة إلى آخر TRANSITION. بل اعتمدت دائماً على الإضافة ADDITION .

لم يشهد التاريخ أنتقالا للطاقة TRANSTION بل إضافة ADDDITION والعالم يحتاج لكل المصادر وليس للمفاضلة بينها

وانطلاقًا من هذا المنظور، رأى أن الأنسب هو اعتماد مفهوم التنويع الطاقي بدل مفهوم الانتقال. لأن الاستغناء حتى التدريجي عن الوقود الأحفوري غير ممكن في الوقت الراهن. ولأن مصادر الطاقة المتجددة الحالية لا تزال بالكاد تغطي جزءًا محدوداً من نمو الطلب على الكهرباء. وربما يمكن الحديث عن خفض استخدام الفحم والغاز في توليد الكهرباء فقط، بعد ظهور مصادر جديدة وثورية مثل طاقة الاندماج النووي.

التباس مفهوم عدالة الطاقة

أما في ما يتعلق بمفهوم عدالة الانتقال الطاقي على المستوى الإقليمي، فاعتبر رئيس تحرير «طاقة الشرق» أنه مفهوم إشكالي أيضاً. لأنه يفترض معالجة أزمة لم تتمكن الدول الصناعية الكبرى من التعامل معها بصورة كافية. فهذه الدول لم تُظهر استعداداً لتحمّل مسؤولياتها في تمويل الدول النامية لتعويضها عن أضرار التغير المناخي من جهة، أو مساعدتها على تطوير مصادر الطاقة النظيفة من جهة أخرى. وقد كان هذا التملّص أحد الأسباب الجوهرية وراء تعثر مؤتمرات المناخ المتتالية، وآخرها مؤتمر «كوب 30» في البرازيل.

وفي ظل تعثّر تحقيق العدالة على المستوى الدولي، رأى هلال أنه يصعب الحديث عن تحقيقها على المستوى الإقليمي. إذ إن هذا الطرح يعيد إنتاج مقولات العمل الاقتصادي العربي المشترك، التي أثبتت التجربة محدوديتها لأنها اعتمدت على معادلة «المانح والمتلقي»، وليس على منطق المصالح المتبادلة. وهو ما يستدعي إعادة تفكير جذرية لإيجاد نماذج أكثر واقعية واستدامة، تقوم على الشراكات والمصالح المشتركة بدلًا من العطاء والأخذ

التمويل: بين العون الإنمائي والاستثمار

وفي محور آخر يتعلق بوسائل التمويل الأكثر ملاءمة لتحقيق العدالة في التحول الطاقي، أكد أن المفاضلة بين أنواع التمويل تبقى نسبية ومعقدة بطبيعتها. لكنه لفت إلى أن التمويل الإنمائي والقروض الميسرة، بحكم تركيزها على البنية التحتية والتنمية ومكافحة الفقر، تظلّ الأكثر ارتباطاً بتحقيق العدالة الاجتماعية في الطاقة وغيرها من القطاعات.

تراجع التمويل الإنمائي لصالح الاستثمارات الخاصة، يفرض على الدول المضيفة والمجتع المدي مسؤولية إيجاد مناخ استثماري ملائم ومحاربة الفساد

وأشار إلى ضرورة مقاربة الموضوع من زاوية مختلفة، تأخذ بالاعتبار التغير الجذري الذي حصل في توجهات التمويل الدولي والإقليمي، من التمويل الميسر والعون الإنمائي إلى الاستثمارات الخاصة. إذ باتت الدول المانحة تفضل دعم الاستثمارات الخاصة، أو المختلطة، أي التي تجمع بين رؤوس الأموال الحكومية عبر الصناديق السيادية والشركات العامة، ورؤوس الأموال الخاصة.

ورأى أن هذا التحوّل يفرض مسؤوليات جديدة على الدول المضيفة، أهمها توفير مناخ استثماري ملائم يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية: الاستقرار السياسي والاقتصادي، وبيئة تشريعية وتنظيمية واضحة ومحفّزة، وبيئة إدارية نظيفة قادرة على لجم الفساد والمحسوبيات.

وأشار إلى أهمية محاربة الفساد، لأنه لا يطرد فقط الاستثمارات الجدية التي تحقق الربح للمستثمر وتسهم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلد المضيف، بل يجذب أيضاً الاستثمارات المضاربة أو المشبوهة التي قد تحمل أهدافاً غير تنموية، مثل تبييض الأموال أو الاستفادة من ضعف الرقابة.

دور الإعلام والمجتمع المدني

وأعاد هلال التأكيد على النقطة التي تم التعرض لها خلال الجلسة، وهي الدور الجوهري للإعلام والمجتمع المدني في دعم المناخ الاستثماري السليم، سواء عبر المحاسبة والمراقبة أو عبر الإضاءة على الفرص الجديدة التي ترافق تحولات الطاقة.

وقال إن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق من دون تحصين الإعلام ومنظمات المجتمع المدني ضد الارتهان والفساد، مؤكداً أن ضعف الاستقلالية أو السعي وراء التمويل بأي ثمن قد يحوّلان هذه المؤسسات من أدوات رقابية بنّاءة إلى أدوات تُعطّل التنمية وتقوّض ثقة الجمهور.

وضرب مثالاً من واقع التجربة اللبنانية عبر مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، التي نجحت في فرض وجود ممثل للمجتمع المدني في منظومة حوكمة قطاع النفط والغاز. لكن تم خلق منظمات مجتمع مدني مرتبطة ومرتهنة للسلطة، وإشعال الخلافات بينها، ما أدى إلى إجهاض التجربة وتعطيل تمثيل المجتمع المدني الحقيقي.

استشراف مجالات جديدة للاستثمار

في القسم الأخير من مداخلته، دعا ناشر مجلة «طاقة الشرق» إلى تجاوز المجالات التقليدية للاستثمار في مجال الطاقة، سواء المتجددة أو الأحفورية، والتركيز على استشراف مجالات جديدة واستراتيجية، وفي مقدمتها:

التحذير مخاطر استغلال معادن أعماق البحر : «نحن نعرف عن سطح المريخ أكثر بكثير مما نعرف عن أعماق المحيطات»

 • طاقة الاندماج النووي

أوضح أن التطورات التكنولوجية المتسارعة تُقرب العالم من تشغيل أولى المحطات الاندماجية خلال العقد القادم، ما قد يُحدث تحولاً بنيويًا في أسواق الكهرباء عالمياً. مما سيعني ثورة جذرية في إنتاج الكهرباء. ودعا مبادرة الإصلاح العربي إلى دراسة إمكانية التعاون مع المبادرة العربية للطاقة الاندماجية (الجامعة الأميركية في بيروت)، والتواصل مع البروفسور غسان عنتر لبحث السبل والمجالات الممكنة.

 • إعادة تدوير المعادن النادرة

اعتبر أن إعادة التدوير تمثّل حلاً عملياً وأقل كلفة بيئية لمعضلة المعادن النادرة، مقارنة بمشاريع التعدين والتكرير التي تُعدّ من أكثر الصناعات تلويثاً للمناخ والبيئة. وحذّر من المخاطر الجيوسياسية والبيئية التي لا يمكن تقديرها لبدء الاستغلال التجاري لمعادن أعماق البحار، إذ لخّص أحد كبار العلماء هذه المشكلة بقوله: «نحن نعرف عن سطح المريخ أكثر بكثير مما نعرف عن أعماق المحيطات». وختم بالتأكيد أن الاستثمار في إعادة التدوير قد يشكّل مدخلاً واقعياً للدول العربية لدخول سلاسل القيمة العالمية للطاقة المتقدمة، بفرص أقل مخاطرة وأكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى