مصير خط غاز «قوة سيبيريا 2» مرهون بتموضع موسكو بين أميركا والصين
مذكرة التفاهم الموقعة بين الصين وروسيا لإنشاء خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2»، تثير التساؤلات أكثر مما توفر إجابات بشأن إمكانية تمديد الخط، وتداعياته على أسواق الغاز، والأهم بشأن مستقبل علاقة روسيا بالصين وأميركا. بحيث يصح التساؤل عمّا إذا كان توقيت التوقيع يقع في خانة الضغط الروسي على أميركا لتحسين شروط الالتحاق بالمحور الغربي تنفيذاً لتفاهمات قمة ألاسكا، أم استخدام هذه التفاهمات لتحسين شروط الالتحاق بالمحور الصيني.
تاريخ طويل من التعثر
لنلاحظ بداية أن إضافة تعبير «ملزمة» لمذكرة التفاهم لا يعكس الجدية في التنفيذ. بقدر ما يعكس تعثر المشروع لأكثر من 20 عاماً. إذ تم توقيع مذكرة في مارس 2006 بين شركة “غازبروم” والمؤسسة الوطنية الصينية للنفط، وبحضور الرئيس بوتين أيضاً. وفي العام 2009 أعلنت الصين وقف المفاوضات. ثم تم إحياؤها في 2013، ولكن على خط «قوة سيبيريا 1» (الخط الشرقي)، الذي بدأ العمل فعلياً في 2019. أما الخط الغربي “قوة سيبيريا 2″، فقد جُمّد رسمياً عام 2015 . ثم حاولت منغوليا، التي يمر الخط في أراضيها، إنعاش المفاوضات بين العامين 2021–2022، ولكن من دون نتيجة تُذكر.
الأسباب المعلنة للتعثر
أسباب التعثر المعلنة والمعروفة، وأهمها الخلاف على التسعير. إذ سعت الصين ولا تزال للحصول على أسعار تفضيلية أقل من أسعار التصدير إلى أوروبا. وتستند في ذلك إلى الحاجة الملحّة لروسيا للتصدير إلى السوق الصينية، مقابل حاجة الصين المحدودة للاستيراد. وقد تفاقمت هذه الحاجة بعد الحرب الأوكرانية وخسارة الأسواق الأوروبية. في حين تراجعت أكثر حاجة الصين، بسبب ارتباطها بعقود طويلة الأجل لاستيراد الغاز المسال من قطر وأستراليا. إضافة إلى الواردات المتزايدة من أميركا.
إقرأ أيضاً: معادن أوكرانيا النادرة: هل تفتح معركة إنتقال روسيا إلى المحور الأميركي
وعليه يصعب على الصين حالياً تكرار «خطأ» الأسعار المعتمدة في مشروع «قوة سيبيريا 1» التي تعادل أو تفوق أسعار تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا. وربما ذلك ما يفسر تأكيد الرئيس التنفيذي لشركة “غازبروم” أليكسي ميلر، في تعليقه على توقيع مذكرة التفاهم: «أن سعر الغاز سيكون أقل من الأسعار التي تتقاضاها الشركة من عملائها في أوروبا».
إقرأ أيضا: إنقلاب النيجر: روسيا جندي في الجيش الصيني
ويمكن القول إن الصين كانت سابقاً بحاجة إلى مصدر ثابت ومستدام للغاز، كما كانت بحاجة أكبر لاستمالة روسيا إلى جانبها في صراعها مع أميركا. أما اليوم، فلا الصين بحاجة إلى الغاز الروسي، ولا هي مقتنعة بثبات سياسات وتحالفات روسيا.
… والأسباب الحقيقية
ذلك يقود إلى العوامل الحقيقية المؤثرة في تنفيذ المشروع أو صرف النظر عنه. وهي عوامل سياسية بالمطلق. ويمكن تلخيصها بسؤال مركزي هو: «أين سيلجأ الرئيس بوتين بعد انتصاره العسكري الملتبس في أوكرانيا؟». وهو نصر ملتبس لأنه يشكل هزيمة سياسية مدوية، تمثلت بانكشاف حقيقة أن روسيا ليست دولة عظمى، بل مجرد قوة إقليمية كبيرة. وحتى عنصر تفوقها الرئيسي أو الوحيد، أي القوة العسكرية، تبين أنه موضع شك كبير نتيجة العجز عن حسم الحرب لعدة سنوات، والاستعانة بإيران وكوريا الشمالية وقوات فاغنر.
تنازع أميركي–صيني للفوز بروسيا
يلاحظ أن القوتين العظميين، أي أميركا والصين، تتنازعان حالياً «السيطرة» على روسيا. وتمارسان في سبيل ذلك شتى أنواع الإغراءات والضغوط. وهما تدركان أن الرئيس بوتين من جانبه يمارس بكفاءة عالية استغلال هذا الوضع.
فهو يقدم للرئيس ترامب في قمة ألاسكا تنازلات مهمة في ملف القوقاز وممر زنغزور والمعادن النادرة، مع وعود قاطعة بإنهاء الحرب الأوكرانية. ويحصل بالمقابل على تنازلات مهمة أيضاً في ملف أوكرانيا، ووعود سخية بملفات العقوبات وتطوير غاز القطب الشمالي وبعض النفوذ الإقليمي المحدود في سوريا وشرق المتوسط وأفريقيا.
إقرأ أيضاً: «أركتيك 2» الروسي يسيل غاز القطب الشمالي والعقوبات الأميركية «تجمده»
وهو يواصل اللعبة في لقاء القمة مع الرئيس الصيني، فيعطي ويأخذ وعوداً وقرارات ومذكرات تفاهم. مع التنبه إلى أن «لصق» صفة الإلزام في مذكرة تفاهم لا يعطيها أي قوة قانونية أو حتى مصداقية. والملفت أن شركة غازبروم لم تصدر أي إعلان رسمي على موقعها عن الصفقة. كما لم يتم الإتيان على ذكر عقد توريد الغاز، الذي بدونه لا يستقيم أي بحث في بناء خط أنابيب بطول 3000 كيلومتر وبطاقة 50 مليار متر مكعب سنوياً. كما كان لافتاً أن وكالة شينخوا الرسمية أشارت إلى أن البلدين وقّعا أكثر من 20 اتفاقية تعاون، من دون الإشارة تحديداً إلى خط الأنابيب.
أقوال مقابل أقوال… وخطوة مقابل خطوة
ويبدو واضحاً أن أميركا والصين تمارسان مع روسيا مبدأ مبادلة الأقوال والوعود بأقوال ووعود أحسن منها. أما على مستوى الأفعال فتعتمدان ما يصح تسميته سياسة «خطوة مقابل خطوة». بحيث تنتظر كل منهما سياسات واضحة وخطوات عملية للتموضع في المحور التابع لها.
فالصين أعلنت مثلاً عن استقبال شحنة من الغاز المسال من مشروع «أركتيك 2» خارقة العقوبات الأميركية المفروضة عليه. ولكن الحقيقة أن أميركا كانت قد وعدت الرئيس بوتين بتسهيل استكمال المشروع، وغضّ النظر عن أي خرق للعقوبات.
أميركا تعرض تطوير غاز القطب الشمالي
ويشار في هذا السياق إلى أن المباحثات في قمة ألاسكا تناولت تطوير حقول الغاز في القطب الشمالي واستكمال تطوير مشاريع تسييل الغاز الضخمة هناك. وهي مشاريع استراتيجية بالنسبة لروسيا لعدة أسباب، أهمها:. ضخامة حجم الاحتياطيات القابلة للاستخراج، وذوبان الجليد القطبي. ما يسمح بفتح الممرات الشمالية على مدار العام تقريباً، سواء باتجاه الغرب أو الشرق. وثالثاً، وهو الأهم، أن تطوير هذه المشاريع يصب في سياسة روسيا المعلنة لزيادة الاعتماد على الغاز المسال بدلاً من الغاز الجاف المنقول عبر الأنابيب. ومعروف أن تنفيذ هذه المشاريع مرهون بموافقة أميركا والغرب، وخير دليل على ذلك مشروع «أركتيك 2».
فشل أو تنفيذ تدريجي؟
مصير المشروع مرهون بمستقبل العلاقات الروسية مع أميركا والصين. فهو قد يوضع على سكة التنفيذ التدريجي مع كل خطوة تخطوها روسيا للتقارب مع الصين والابتعاد عن أميركا، أو العكس. وبمعنى أوضح، يتوقف مصيره على الجواب المنتظر على سؤال: «أين سيلجأ الرئيس بوتين بعد انتصاره على أوكرانيا؟» إلى أميركا والغرب أم إلى الصين والشرق؟ علماً أن حلم روسيا التاريخي كان الانضمام للغرب وليس للشرق.



