من يفوز بتمويل البنك الدولي: «مناخ» الأغنياء أم «تنمية» الفقراء
يشهد البنك الدولي أزمة غير مسبوقة، تتمثل في الخلافات بين الدول الكبرى على أولوية الإقراض. فهل يتركز على تمويل مناخ الأغنياء والطاقة المتجددة كما أرادت الإدارة الأميركية السابقة. أم على تمويل تنمية الفقراء والطاقة الأحفورية، كما تريد الإدارة الحالية.
وقد رسم الكاتب بيورن لومبورغ «صورة كاريكاتورية» لهذه الأزمة وللحل المرتقب، تمثلت في تصريحات رئيس البنك أجاي بانغا، التي جاءت كالتالي:
- قال السيد بانغا بعد نجاح الإدارة الديمقراطية بفرض انتخابه خلفاً لـ ديفيد مالباس، الذي استقال قبل نهاية ولايته: «سيتركز اهتمامي على مواجهة تحدي تغير المناخ وجعل الكوكب صالحاً للعيش لأحفادي».
- أعلن السيد بانغا بعد انتخاب الرئيس ترامب: «أنا لستُ مبشّراً بالمناخ والبيئة، وسنقدم استراتيجية شاملة للطاقة».
التغيير والتناقض في مواقف رئيس البنك الدولي يعكسان حقيقتين: الأولى، عمق التأثير الأميركي على توجهات البنك، والثانية، عمق الصراعات بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها أميركا والصين وأوروبا.
إقرأ أيضاً: البنك الدولي بين تمويل التنمية والمناخ: بايدن يعتبر بانغا «القائد التحويلي»
ولتوضيح الصورة، تجدر الإشارة إلى أن جذور هذه الأزمة تعود إلى رفض الولايات المتحدة وبقية الدول الصناعية الكبرى الالتزام بتوفير التمويل للدول النامية للتكيف مع سياسات المناخ ودعم مشاريع الطاقة المتجددة. واللجوء بدلاً من ذلك إلى استخدام موارد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبقية المؤسسات الدولية المعنية، للقيام بهذه المهمة.
ولما كانت موارد البنك لا تكفي لتمويل كلا النشاطين، أي تمويل التنمية ومكافحة الفقر، وتمويل المناخ والطاقة المتجددة، كان الحل بزيادة حصة النشاط الثاني على حساب الأول. وذلك لكي تتفادى أميركا «الكأس المُرّة»، المتمثلة بقبول زيادة رأس المال، التي تعني زيادة مساهمة الصين، وبالتالي زيادة قوتها التصويتية.
وزير الخزانة الأميركي: البنك الدولي انحرف نحو مشاريع استعراضية
وذلك ما تم فعلاً، إذ نجح السيد أجاي بانغا في المهمة التي انتخب لتنفيذها. إذ تمكن من زيادة حصة التمويلات المرتبطة بالمناخ والطاقة إلى 45 في المئة في عام 2024. وذلك على الرغم من معارضة الصين والدول الأفريقية التي رأت في التوجه الجديد «نوعاً من النفاق». وقد عبّر وزير المالية النيجيري والي إيدو عن ذلك بقوله: «نحن بحاجة إلى كهرباء ومياه وبنية أساسية وتعليم ومستشفيات قبل الحديث عن انبعاثات الكربون».
أميركا: لا تمويل للمناخ
فتحت إدارة الرئيس ترامب مبكراً ملف «تصويب» مسار البنك الدولي، في سياق المراجعة الشاملة لتمويل المؤسسات الدولية. وتنفيذاً لسياسة “أميركا أولاً” التي تعيد تعريف أولويات الإنفاق الخارجي. والأهم أنها تأتي في سياق «تصفية تركة» الإدارة السابقة المتعلقة بسياسات المناخ ودعم الطاقة المتجددة. وكان أبرز مظاهر تلك المراجعة تجميد المساهمة التي أقرتها إدارة بايدن بمبلغ 4 مليارات دولار لتمويل مؤسسة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي.
وزير المالية النيجيري: نحن بحاجة إلى كهرباء ومياه وبنية أساسية قبل الحديث عن انبعاثات الكربون
وقد شكّلت اجتماعات الربيع لعام 2025 منعطفاً في الصراع، وذروة غير مسبوقة في التصعيد. وكان وزير الخزانة سكوت بيسنت حازماً ومباشراً في توضيح الموقف الأميركي. فقال إن تحديد مبلغ الدعم واتخاذ القرار بإنفاقه فعلاً يتوقف على الإجراءات التي سيتخذها البنك لإعادة التركيز على مهامه الأساسية. واتهم إدارة البنك باعتماد «شعارات تسويقية فارغة» و «مشاريع استعراضية». وركّز انتقاداته على سياسة الطاقة، داعياً إلى نهج محايد تقنياً يُراعي الكلفة ويشمل تمويل مشاريع قائمة على الوقود الأحفوري.
أوروبا: تأييد المناخ ومعارضة تفرد أميركا
جوبه الموقف الأميركي بمعارضة قوية من قبل الدول الأوروبية، تركزت على التمسك بتمويل الأنشطة المرتبطة بالمناخ والطاقة المتجددة، إضافة إلى مواجهة هيمنة واشنطن على قرارات البنك الدولي. ولخّصت وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، سفينيا شولتس، الموقف الأوروبي بقولها: «هذا ليس بنكاً أميركياً، إنه بنك دولي. ولا يمكن لإدارة الرئيس ترامب تحديد مهامه وأهدافه بمعزل عن إرادة بقية الدول».
وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية: أنه بنك دولي، وليس بنكاً أميركياً
ولكن موقف أوروبا يصطدم بموافقة غالبية الدول النامية، وبخاصة الدول الأفريقية، على التوجه الأميركي الجديد. إذ ترى هذه الدول أن الأولوية يجب أن تُعطى للتنمية ومشروعات البنية الأساسية والصحة والتعليم. أما الصين، فيبدو أنها الطرف الرابح في الحالتين، ويبقى همّها الأساسي هو زيادة مساهمتها وتأثيرها داخل البنك الدولي وبقية المؤسسات الدولية.
خيارات الخروج من الأزمة
يتم التداول بالعديد من الحلول والاقتراحات، التي تتراوح بين إصلاح نظام التصويت داخل البنك لمنح الدول النامية صوتاً أعلى، وهو مقترح قدّمه وزير الاقتصاد البرازيلي فرناندو حداد. أو تشكيل مؤسسات موازية بقيادة الجنوب العالمي، كما دعت إليه مجموعة «بريكس».
إقرأ أيضاً: البنك الدولي الحائر بين الفقر والمناخ: مناورات وخلافات فوق «فالق مراكش»
لكن المرجّح أن تنتهي هذه الأزمة بتسوية تقضي بالتزام أميركا مواصلة تمويل البنك، ولو بمبالغ أقل. وذلك ما بدأ يتبلور فعلاً، إذ طلب الرئيس دونالد ترامب مطلع شهر مايو الجاري من الكونغرس الإفراج عن المساهمة في مؤسسة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي. ولكنه طلب تخفيض المبلغ من 4 إلى 3.2 مليار دولار.
وبالمقابل، يفترض أن تتراجع أوروبا عن موقفها المعارض لعودة البنك الدولي إلى تركيز التمويل على التنمية وعلى مشروعات الطاقة بشقيها المتجددة والأحفورية. في حين تقبل الصين بزيادة هامشية لمساهمتها في البنك بعد إبرام التسوية الموعودة مع أميركا.
ويبقى على السيد أجاي بانغا، الانتظار ليرى إذا كانت «الاستراتيجية الشاملة للطاقة» التي سيقدّمها إلى مجلس إدارة البنك في يونيو مقبولة أميركياً. وإلا فسيواجه الاختيار بين تغيير موقفه والالتحاق بقطار التسوية، أو الاستقالة وربما الإقالة، كما حصل مع سلفه.



