غسان حاصباني: مجلس أعلى لترسيم الحدود وتفعيل هيئة البترول

لأن قضية الثروة البترولية في لبنان، داهمة على صعيد استئناف أعمال الحفر والتنقيب ومعالجة الثغرات التشريعية والتنظيمية. ولأنها خطيرة وصعبة، على صعيد ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، وقد تكون أصعب مع قبرص بسبب النزاع القبرصي التركي على المياه المحاذية للبنان. وذلك يضعها في رأس أولويات الحكومة الجديدة.
«طاقة الشرق» حاورت عضو تكتل الجمهورية القوية (القوات اللبنانية) النائب غسان حاصباني في محاولة لاستقراء الاتجاهات والتطورات. فالنائب حاصباني الذي شغل سابقاً منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، هو أحد المسؤولين القلائل الملمين والمتابعين لملف النفط والغاز. كما أنه الأقرب إلى توجهات وخطة عمل وزير الطاقة والمياه جو صدّي الذي رشحته القوات اللبنانية لتولي الوزارة، رغم أنه ليس حزبياً. خاصة وأن الوزير صدّي ممتنع عن الكلام والمقابلات الصحافية، وذلك أمر يحسب له وليس عليه. وعسى أن تنتقل هذه «الفضيلة» إلى بقية الوزراء والوزيرات الذين احتلوا الشاشات والساحات والطائرات حتى قبل أن يطلعوا على أي من الملفات.
وهنا نص الحوار…
يواجه استغلال الثروة النفطية في المياه البحرية اللبنانية مشكلة كبيرة تتعلق بترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة وحل النزاعات الحدودية مع سوريا وقبرص واستكمالها مع إسرائيل، وقد يكون ترسيم الحدود مع قبرص أكثرها صعوبة، لارتباطه بالنزاع القائم بين قبرص وتركيا. كيف ترون حل هذه المشكلة؟
بالفعل ترسيم الحدود البحرية مع الدول المجاورة قضية بالغة الأهمية. ولكنها لم تحظ بالاهتمام المطلوب طوال السنوات الماضية. إذ تم التركيز على ترسيم الحدود الجنوبية فقط. ربما نتيجة للضغوط الدولية وارتباط الترسيم بحاجة إسرائيل لبدء التنقيب والاستخراج في حقولها الشمالية. وقد أثرنا هذا الموضوع عدة مرات مطالبين باهتمام مماثل لترسيم الحدود الشمالية مع سوريا والغربية مع قبرص.
إقرأ أيضاً: هل يفعلها جو صدّي ؟
ونحن ندرك تماماً صعوبة وتعقيد ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية. لعدة أسباب: أولا تداخل الحدود مع ثلاث دول مجاورة. يضاف إليها تركيا في حال الأخذ بالاعتبار النزاع الحدودي القائم بين جمهورية قبرص وجمهورية شمال قبرص. وهو نزاع يعيق عملية الترسيم رغم عدم اعتراف أي دولة بجمهورية شمال قبرص باستثناء تركيا.
ترسيم الحدود مع سوريا ربما بات أسهل بعد تغيير النظام، والترسيم مع قبرص ربما يكون أصعب بسبب النزاع التركي القبرصي على المياه المحاذية للبنان
ثانياً: وجود مناطق واسعة متنازع عليها بين لبنان وسوريا وقبرص نتيجة قيام كل دولة بترسيم حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة من جانب واحد، بدون التفاوض مع الدول الأخرى كما يقتضي العرف والقانون. ويقترن ذلك بعدم وضوح نصوص قانون البحار الذي يعتبر المرجعية النهائية لترسيم الحدود البحرية. وكذلك عدم توقيع سوريا وإسرائيل على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ثالثاً: العوامل السياسية غير المؤاتية، وأبرزها رفض النظام السوري السابق مجرد البحث في ترسيم الحدود البحرية والبرية طوال العقود الماضية.
هل تعتقد أن الظروف باتت مؤاتية محلياً وأقليمياً لانجاز الترسيم؟
مع انطلاق العهد الجديد، أعتقد أن لبنان أمام فرصة حقيقية لحل العديد من المشاكل المزمنة والمتراكمة. ومن بينها مشكلة ترسيم الحدود البحرية. وهي مهمة تكتسب أولوية كبيرة، لأنها تسهم بتشجيع شركات النفط العالمية للعمل في المياه اللبنانية. كما تسهم بحماية حصة لبنان في المكامن المشتركة مع الدول المجاورة، التي قد تكون عرضة للخسارة في حال بدأت تلك الدول بالتنقيب والاستخراج.
يتطلب إنجاز الترسيم وجود إهتمام دولي، وتطوير إطار مؤسسي كهيئة وطنية أو مجلس أعلى للمتابعة والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية
لكن التصدي لهذه المشكلة يتطلب تضافر عدة عوامل من أهمها؛ أن يكون هناك اهتمام دولي، كما حصل عند ترسيم الحدود الجنوبية. يضاف إلى ذلك أن يكون لدى لبنان إطار مؤسسي لمتابعة الترسيم الذي يحتاج إلى نفس طويل. والأرجح أن لا يتوفر الوقت الكافي لهذه الحكومة لإنهاء الموضوع، الذي يتطلب استمرارية العمل في المؤسسات والإدارات والحكومات المتعاقبة. وهذا للأسف ما لم يتأمن في الماضي، ولم تقدم وزارة الطاقة ولا غيرها من الوزارات المعنية، على أي حركة واسعة في هذا المجال. وأعتقد أنه لم يكن يتوفر القرار السياسي الواضح لمتابعة الموضوع.
ترسيم الحدود في صلب «سياسة الأمن الوطني»
انطلاقاً من إشارتكم لضرورة وجود إطار مؤسسي يتولى الترسيم، من هي الجهة الرسمية المولجة بهذا الملف بحكم الدستور والقوانين حالياً، وهل يجوز أن يبقى ملف بهذه الأهمية رهينة التقاذف والتجاذب بين المرجعيات الدستورية والأحزاب والتيارات؟
دعنا ننطلق من خطاب القسم ومن البيان الوزاري لحكومة العهد الأولى، لنقول أنهما وضعا الأساس السليم لمقاربة موضوع ترسيم الحدود. وذلك انطلاقاً من وضع وتطبيق سياسة أمن وطني وليس استراتيجية دفاعية. فالأمن الوطني يشمل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية. وبهذا المعنى فإن ترسيم الحدود البرية وكذلك الحدود البحرية يقع في صلب الأمن السياسي والعسكري والسيادة الوطنية بالنسبة للمياه الإقليمية. أما ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، فيقع في صلب الأمن الاقتصادي والسياسي.
«سياسة الأمن الوطني» تشمل الأقانيم العسكرية والسياسية والاقتصادية، وهي تشمل ضمناً، ترسيم الحدود البرية والبحرية
ولا بد أن تتضمن سياسة الحكومة تسمية جهة واحدة تتولى التنسيق والمتابعة بين كافة الوزارات والجهات المعنية. وإذا كانت غير متاحة، فيفترض استحداث هيئة أو مجلس أعلى شبيه بالمجلس الأعلى للخصخصة مثلاً، ليتولى الربط والتنسيق والمتابعة لإعداد الملفات القانونية والفنية والسياسية بالتعاون المباشر مع الجيش اللبناني فيما يتعلق بوضع الاحداثيات ورسم الخرائط. ويتم وضع هذه الملفات أمام مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات وإصدار المراسيم ومشاريع القوانين. على أن يتولى رئيس الجمهورية كما ينص الدستور الجانب المتعلق بالعلاقات الدولية وتوقيع الاتفاقيات. وبهذه الطريقة يتأمن التكامل والتعاون بين مختلف الجهات السياسية والدستورية، بما يكفل التنفيذ السليم والفعال لسياسة الأمن الوطني المكونة من الأقانيم الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
معالجة مشكلة هيئة البترول
بالانتقال إلى ملف الإطار التشريعي والتنظيمي المتعلق باستغلال موارد النفط والغاز، كان لافتاً إعلان الوزير جو صدي في أول تصريح له، عن إنشاء الهيئة الناظمة للكهرباء. هل ستعملون كحزب القوات اللبنانية، لاستكمال المسيرة بالسعي لإنشاء هيئة ناظمة للبترول، أو إدخال تعديلات جذرية لتحويل الهيئة الحالية من استشارية إلى هيئة ناظمة فعلية؟
لا شك ان الإطار التنظيمي لقطاع البترول يعاني من ثغرات ومشاكل متراكمة. ومن بينها هيئة إدارة قطاع البترول التي أضاعوا دورها وهويتها، بين هيئة إدارية واستشارية وهيئة ناظمة. والحقيقة أنه لا يجوز تسمية الهيئة الحالية، هيئة ناظمة. وذلك إستناداً إلى مرسوم إنشائها وإلى كيفية تعامل وزراء الطاقة معها. لأن فلسفة الهيئة الناظمة تعتمد على تولي مهام التخطيط والتنظيم ووضع المعايير واقتراح القوانين، إضافة إلى مهام المراقبة والمتابعة لضمان حسن تنفيذ القوانين والإجراءات والاتفاقيات. والأهم أن تكون مستقلة عن وزارة الطاقة وعن السلطة السياسية عموماً.
هيئة البترول ليست هيئة ناظمة بحكم تأسيسها، ولم تعد هيئة إدارية بل مجرد هيئة استشارية، بحكم سيطرة الوزراء عليها
ولكن يجدر التأكيد على أن الهيئة حتى بوضعها القانوني الحالي يمكنها القيام بدور إداري بالغ الأهمية. ولكنها للأسف تعرضت للإقصاء والإهمال طوال السنوات الماضية على مستويين. الأول السطوة والسيطرة التي مارسها الوزراء المتعاقبون عليها. حيث تم تحويلها إلى مجرد هيئة استشارية لدى وزير الطاقة والمياه. والمستوى الثاني هو الإهمال المتعمد والمتمثل بالتغاضي عن تعيين مجلس إدارة جديد بدل المجلس القديم الذي انتهت ولايته منذ العام 2018. ولكنه لا يزال يمارس مهامه رغم استقالة عدد من الأعضاء.
أقرأ أيضا: لبنان: الأولوية لإنشاء شركة وطنية للنفط وهيئة وطنية للترسيم
إقرأ أيضا: غاز لبنان: «هزة» ترسيم الحدود البحرية التركية السورية و«إرتداداتها» (1 من 2)
واعتقد ان هيئة إدارة قطاع البترول التي لا يصح وصفها بهيئة ناظمة بالمعنى التقليدي الكامل، يمكنها لعب دور أكبر بكثير من دورها الاستشاري الحالي لو تعامل وزراء الطاقة معها على هذا الأساس. ولو تم منحها حرية ومرونة أكبر في ممارسة صلاحياتها المنصوص عليها في مرسوم تأسيسها. وكان بالإمكان إجراء تقييم سليم لعملها، والتفكير في ضوء ذلك إما بتعديل المرسوم لتوسيع صلاحياتها، وإما العمل على إنشاء هيئة ناظمة فعلية.
شركة النفط الوطنية
هناك قضية أخرى تتعلق بالإطار التنظيمي والتشريعي، هي مشاركة الدولة في الإنتاج، ألا ترون أنه حان الوقت لإنشاء شركة وطنية للنفط ؟
حصل نقاش مطول حول هذا الموضوع، وتعددت الآراء بشأن إنشاء شركة وطنية للنفط. ولذلك جاءت المادة السادسة من قانون الموارد البترولية كحل لاختلاف الآراء. إذ نصت على «حق الدولة بالمشاركة في الأنشطة البترولية وتحديد حصتها في اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج». كما نصت صراحة في البند الثاني منها على «إنشاء شركة بترول وطنية عند الاقتضاء وبعد التحقق من وجود فرص تجارية واعدة».
«بدعة» صاحب غير مشغل، تفتح مجالاً للفساد والسمسرة، وربما بات مطلوباً البحث في إنشاء شركة وطنية للنفط، إذا ثبت وجود احتياطيات تجارية
ومع أن حصة الدولة تعتبر جيدة، بموجب الاتفاقيات الموقعة والمتمثلة بالإتاوات والضرائب وبترول الربح، إلا أن ذلك لا يمنع أبداً من البحث الجدي في تطبيق المادة السادسة من القانون، والعمل على تأسيس شركة وطنية لتتولى المشاركة في الإنتاج. وطبعاً يتطلب ذلك التأكد من وجود احتياطيات تجارية. كما يتطلب اختيار الصيغة المناسبة لمثل هذه الشركة. فلبنان ليس دولة نفطية كبرى لكي يعتمد صيغة الشركة المالكة بالكامل للموارد البترولية، والتي تقوم بمنح عقود خدمات للتنقيب والاستخراج مقابل حصة من الإنتاج.
إقرأ أيضاً: لبنان: 10 أسئلة حول دورة التراخيص الثالثة وفيلم تلزيم البلوكين 8 و 10
إقرأ أيضاً: لبنان: ملابسات وتساؤلات حول دورة التراخيص الثالثة
وتزداد أهمية مراجعة الإطار التشريعي والتنظيمي، بالنظر إلى الثغرات التي ظهرت عند التطبيق. ومثال ذلك المشاكل والثغرات المتعلقة بتنظيم المنافسة والاستثمار في قطاع البترول، وتحديداً لجهة اشتراط أن يضم أي كونسورتيوم يتقدم للمزايدة في دورات التراخيص، ثلاث شركات على الأقل. من بينها شركة مشغلة وشركتين تصنفان كصاحب حق غير مشغل. الأمر الذي يفتح مجالاً لممارسات غير سليمة تتمثل بتأهيل شركات ليس لديها الإمكانيات المالية والبشرية والخبرة، للمشاركة في الثروة البترولية. كما يفتح المجال لنشوء شركات صغيرة تدخل في شراكات مع شركات أكبر لكي تستوفي شروط التأهيل المسبق. وهو أمر يتضمن فرصاً كبيرة للفساد والسمسرات لأنه يتعلق بالفوز بحصة ملكية في ثروة النفط والغاز، وذلك خطير جداً على قطاع البترول برمته. وإذا كانت تلك «البدعة» قد تم اعتمادها ـ كما قيل ـ بدعوى السماح للشعب اللبناني ممثلاً بالشركات الخاصة للاستثمار والمشاركة في ثروات بلاده، فهي حجة غير مقنعة.
مصير دورة التراخيص الثالثة
هل تنصحون بتمديد دورة التراخيص الثالثة التي تنتهي في شهر مارس 2025، أم تفضلون التروي قليلاً لدراسة أسباب عدم تقدم أي شركة للدورتين الثانية والثالثة. وحتى العرض الذي قدمه تحالف توتال قبل وقت قصير من إقفال دورة التراخيص الثانية لم تعلن الحكومة السابقة عن مصيره ؟ ولا عن مصير استئناف العمل في البلوك 9؟
للأسف ظل الملف غائباً او مغيباً عن اهتمامات الحكومة، وحتى عن المجلس النيابي خلال فترة خلو سدة الرئاسة. وهناك العديد من الأسئلة كانت تطرح، وأحيانا تتم الإجابة عليها وأحيانا لا نحصل على جواب. خاصة وأننا كنا نقاطع جلسات مجلس النواب في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية. وتم خلال تلك الفترة تمرير عدة قوانين مثل قانون الصندوق السيادي لقطاع البترول، كثمن لانعقاد الجلسة التشريعية التي كنا نطالب أن تعقد ببند وحيد معجل مكرر هو التمديد لقائد الجيش لعدم حدوث فراغ عسكري وأمني في مرحلة دقيقة وبوجود فراغ رئاسي.
المطلوب من الحكومة مراجعة دورة التراخيص الثالثة، واتفاقيات الاستكشاف والإنتاج، وكذلك مسألة الطرح التدريجي للبلوكات
أما الآن فإننا نتطلع للحكومة الجديد لتقوم بمتابعة موضوع اتفاقيات الاستكشاف والانتاج الموقعة سابقاً والسعي إلى مواصلة تنفيذها. وكذلك مراجعة موضوع دورة التراخيص والبت بمصيرها. واتخاذ القرار إما الاستمرار في تمديد الدورة . وإما وقف العمل بها مؤقتاً، تمهيداً لإعادة طرحها بشروط جديدة ووفق المعطيات المختلفة داخلياً وإقليمياً. وليتم في الوقت ذاته مراجعة البلوكات المعروضة للتلزيم.
إعادة النظر بالبلوكات المطروحة للتلزيم
هل يعني ذلك التوجه إلى عدم طرح كل البلوكات دفعة واحدة كما هو الوضع حالياً؟
الأمر يحتاج إلى بحث ودراسة من قبل وزارة الطاقة والمياه وهيئة البترول والحكومة. وقد يستقر الرأي على طرح بعض البلوكات وليس كلها. فربما يكون لدينا فرصة أفضل لتحسين شروط التعاقد على البلوكات الأخرى، في حال أثبتت عمليات الحفر وجود احتياطيات بكميات تجارية. يضاف إلى ذلك الانعكاسات المتوقعة للتطورات الإيجابية في المنطقة وخاصة في سوريا، ما يسمح بحل مشكلة كبيرة تواجه ثروة الغاز في لبنان وشرق المتوسط عموماً، وهي التصدير. إذ تقتصر إمكانية التصدير حالياً على نقل الغاز إلى محطات التسييل في مصر، بينما يمكن مستقبلاً البحث بربط لبنان بخط الغاز العربي بعد استكماله ليصل إلى تركيا.
على أي حال، ان إعادة تحريك ملف النفط والغاز يتطلب ورشة وطنية كبيرة تشمل حل مشكلة الحدود وإصلاح الإطار التشريعي والتنظيمي. إضافة إلى بدء التخطيط لإيجاد البنية التحتية اللازمة للاستخدامات المحلية أولاً وللتصدير ثانياً.