الاندماج النووي: من المختبرات إلى سلاسل الإمداد و «اقتصاد الاندماج»
تشهد طاقة الاندماج النووي تحولاً جذرياً يتجاوز حدود الاختراقات العلمية في المختبرات والمفاعلات البحثية، لينتقل إلى مرحلة بناء «اقتصاد الاندماج». ولم يعد السباق بين الدول والشركات على من يحقق «الاشتعال» أولاً، بل على من يسيطر على سلاسل الإمداد التي ستحول هذه التكنولوجيا إلى محطات كهرباء تجارية تغذي الشبكات العالمية بطاقة رخيصة وآمنة ومستدامة. إضافة إلى تطبيقات صناعية متنوعة ليس أقلها الطب والتصوير الشعاعي.
الاندماج يغادر المختبر: عصر المفاعلات التجارية
إن التوسع السريع في سلاسل الإمداد، يرجح اقتراب موعد المحطات الكهربائية الاندماجية. ولم يعد الحديث عن تجارب ناجحة تقاس بالثواني، بل عن إنشاء بنية تحتية قادرة على العمل لعقود. إن انتقال الاستثمارات من تمويل الأبحاث الأساسية إلى تمويل الشركات الموردة للمكونات الدقيقة يعني أن الصناعة بدأت بالفعل في التخطيط لبناء محطات كهرباء تجارية. حيث من المتوقع أن نرى أولى المفاعلات التجارية المتصلة بالشبكة خلال العقد المقبل.
ويظهر هذا الانتقال في توجه شركات الاندماج، لإنتاج نسخ نمطية من المكونات التي قامت بتطويرها لبيعها إلى شركات أخرى. ومثال ذلك قيام شركة كومونولث فيوجن سيستمز (Commonwealth Fusion Systems)، بتوقيع شراكة استراتيجية مع شركة Realta Fusion لتصميم وتوريد مغناطيسات فائقة التوصيل (HTS Magnets) لمفاعلات الاندماج. كما توسعت شركة Tokamak Energy البريطانية في تطوير قدرات صناعية لإنتاج المغناطيسات وأنظمة الطاقة المرتبطة بها،
سلاسل الإمداد: من التفصيل إلى التنميط
في السابق، كانت مشاريع مثل ITER الدولي أو EAST الصيني تعتمد على تصنيع كل برغي ومغناطيس بشكل خاص وحصري داخل المشروع نفسه. وهو ما كان يستهلك سنوات من التطوير إضافة إلى التكاليف الباهظة. أما اليوم، فنشهد ظهور موردين مستقلين يقدمون مكونات جاهزة للاستخدام، بمواصفات ومعايير تتلاءم مع متطلبات المشترين.
إقرأ أيضاً: سلاسل إمداد الاندماج النووي: عائق أم فرصة استثمارية؟
- المغناطيسات فائقة التوصيل: إذ بدأت عدة شركات بإنتاج نسخ نمطية من المكونات التي قامت بتطويرها وتصنيعها لمفاعلاتها. وتقوم ببيع هذه إلى شركات لتدمجها في تصميمات مفاعلات مختلفة.
- أنظمة الليزر والوقود: تحولت أنظمة توليد الليزر وأنظمة إدارة “التريتيوم” إلى وحدات نمطية يمكن توريدها من شركات متخصصة، مما يقلل الوقت اللازم لبناء مفاعل جديد بنسبة تصل إلى 40 في المئة.
هذا الانتقال من “التفصيل” إلى “التنميط” سيسمح بتسريع وتيرة بناء المفاعلات حول العالم.
المفاعلات كمصانع للنيوترونات
توافر مكونات جاهزة ورخيصة من عدة مصادر، يشجع شركات الاندماج على تبني استراتيجيات صيانة مبتكرة. فبدلاً من محاولة حماية المفاعل من قصف النيوترونات للأبد، يتجه التفكير نحو تصميم مفاعلات تسمح باستبدال المكونات التي تتحول إلى مشعة بشكل دوري وسريع.
اما الأكثر أهمية، فهو التوجه نحو إنشاء مفاعلات أو أجهزة خاصة لإنتاج النيوترونات. والدافع وراء هذا التوجه هو الاختراقات التقنية المتسارعة في الطاقة الاندماجية أولاً ، وتطور سلاسل الإمداد ثانياً.
ومعروف أن النيوترونات لها تطبيقات كثيرة ومتنوعة في:
- المجالات الطبية: إنتاج النظائر المشعة المستخدمة في في الطب النووي والتصوير الإشعاعي.
- المجالات الصناعية: اختبار المواد المتقدمة وتصوير الهياكل المعدنية الدقيقة.
هذا يخلق مجالاً جديداً للأعمال (Fusion-as-a-Service).
إقرأ أيضاً: متى يدخل العرب سباق الاندماج النووي؟
الفرصة العربية: شراكات مع الكبار
يمثل التطور المتسارع في صناعة طاقة الاندماج النووي، وفي خلق سلاسل إمداد متكاملة، فرصة ذهبية للدول العربية، لا سيما تلك التي تمتلك رؤى طموحة في مجال الطاقة مثل السعودية والإمارات ومصر، أو حتى دول صغيرة مثل لبنان وتونس والأردن. وتتمثل هذه الفرصة في:
- توطين سلاسل الإمداد عبر إقامة شراكات مع شركات أجنبية لتصنيع بعض المكونات محلياً.
- توطين المفاعلات من خلال شراكات وتحالفات مع شركات أميركية أو أوروبية التي تسعى جاهدة لتوفير التمويل اللازم لتعزيز قدرتها على المنافسة.
- الاستثمار الاستراتيجي في الشركات التي تطور المكونات الجاهزة، مما يضمن مقعداً دائماً في «مجلس إدارة» طاقة الاندماج النووي.
- الاستفادة من التنافس الأميركي الصيني لتعزيز القدرة التفاوضية والحصول على أفضل التقنيات وشروط نقل المعرفة.
إن الاندماج النووي لم يعد مجرد تجربة علمية في مختبر، بل يتحول بسرعة إلى صناعة عالمية ناشئة. والدول التي ستنجح في حجز مكان لها بشكل مباشر أو في سلاسل الإمداد، ستضمن أن تكون شريكاً فاعلاً وليس مجرد مستهلك.



