عملاق السيارات الصيني BYD: «حلم» مهندس مبدع أم خطط دولة وحزب شيوعي؟
عندما قرر المهندس والكيميائي الصيني وانغ تشوان فو مؤسس شركة BYD وهي اختصار لـ Build Your Dream، دخول صناعة السيارات الكهربائية في العام 2003، بدا القرار أقرب إلى «انتحار استثماري» ومادة للتندّر. ولكن وانغ قرر مواصلة «بناء حلمه» الذي بدأه في «سقيفة» لتصنيع بطاريات الهواتف النقالة وتربع على عرش هذه الصناعة. وها هو اليوم يتربع على عرش السيارات الكهربائية والهجينة.
سقيفة لتصنيع البطاريات
بدأت حكاية BYD عام 1995 برأسمال متواضع لا يتجاوز 300 ألف دولار لصناعة بطاريات الهواتف. وفي مواجهة هيمنة الشركات اليابانية، ابتكر وانغ استراتيجية «تفكيك الأتمتة» التي تقوم على تجزئة عمليات التصنيع إلى خطوات بسيطة ينفذ جانب كبير منها جيش من العمال، عوضاً عن شراء روبوتات وخطوط إنتاج يابانية بمئات ملايين الدولارات. فتمكن من خفض التكاليف بنحو 40%، وبحلول 2002 كانت شركة «بي. واي. دي» تستحوذ على نحو ربع سوق بطاريات الهواتف عالمياً.
وبدلاً من جني الأرباح بسلام، قرر وانغ شراء شركة سيارات حكومية منهارة تُدعى “تسينتشوان” مقابل 84 مليون دولار. وهو ما اعتبرته الأسواق قرار “انتحاريا”. فكيف لصانع بطاريات “بلاستيكية” أن ينافس عمالقة صناعة السيارات مثل تويوتا وفولكس فاغن. وكانت النتيجة الفورية انهيار سهم شركة BYD بنسبة 21% في 3 أيام.

بافيت و مونغر شريكان لـ وانغ
لكن الرهان الذي أخاف السوق جذب بعد ست سنوات وارن بافيت وتشارلي مونغر، الشريكان في «بيركشاير هاثاواي»، التي استثمرت نحو 230 مليون دولار في BYD. ووصف مونغر حينذاك الشركة بأنها «معجزة». وذلك ما ظهر فعلاً بعد سنوات قليلة حيث احتلت المرتبة الأولى في صناعة السيارات الكهربائية والهجينة متجاوزة تسلا وتويوتا. فقد بلغت مبيعاتها في العام 2025 نحو 4.6 ملايين مركبة، وإيراداتها حوالي 112 مليار دولار، والأرباح الصافية تقارب 4.5 مليارات دولار.
دور الحزب والدولة
لكن قصة «بي. واي. دي» لا تكتمل إذا اختُزلت في عبقرية وانغ تشوان فو وحده. فخلافاً للنموذج الغربي التقليدي لرائد الأعمال، الذي يشق طريقه في سوق تقودها المبادرة الفردية والمنافسة، تحرك وانغ داخل نموذج صيني هجين يجمع بين ديناميكية القطاع الخاص والتخطيط المركزي للدولة وللحزب الشيوعي. ففي عام 2001، أطلقت الصين مشروعاً وطنياً لتطوير السيارات الكهربائية ضمن برنامج «863». وربط البرنامج البحث العلمي بتطوير البطاريات والمحركات وأنظمة الدفع، وبعد عامين فقط، دخلت «بي واي دي» صناعة السيارات.
ثم توالت السياسات الحكومية لتوسيع السوق ودعم مركبات الطاقة الجديدة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى إدراجها ضمن الصناعات الاستراتيجية الناشئة. ومن هنا، فإن «معجزة» BYD ليست قصة مبادرة فردية فحسب، بل قصة التقاء هذه المبادرة مع منظومة صناعية متكاملة بنتها الدولة ووجهت مسارها الاستراتيجي.

فلسفة الجمع بين الكهربائي والهجين
رغم النمو الهائل في مبيعات BYD، فلا تزال مبيعات تويوتا أكثر بحوالي الضعف مع احتساب سيارات الاحتراق الداخلي. كما لا تزال تسلا منافساً تقنياً رئيسياً في السيارات الكهربائية الخالصة. فالشركات الثلاث تمثل اليوم ثلاثة رهانات مختلفة على مستقبل السيارة:
- تسلا تراهن على النموذج الكهربائي الخالص وشبكة الشحن.
- تويوتا تمسكت باستراتيجية النموذج الهجين.
- BYD اختارت الجمع بين الكهربائي الخالص والهجين القابل للشحن الخارجي.
وفي مفارقة لافتة، كان أكثر من نصف مبيعات BYD في العام 2025 من السيارات الهجينة. وهو النموذج الذي اعتمدته تويوتا منذ البداية. مع ملاحظة تميز المصنع الصيني بتطوير نموذج الهجين القابل للشحن الخارجي PHEV، مقابل هيمنة تويوتا التاريخية على الهجين التقليدي HEV.
التكامل الرأسي: السلاح الحقيقي
أهم نقاط قوة BYD هي درجة تكاملها الرأسي. فالشركة لم تتعامل مع التحول الكهربائي باعتباره استبدال محرك بآخر، بل بنت منظومة صناعية تمتد من البطارية إلى إلكترونيات القدرة والمحركات الكهربائية وأشباه الموصلات. هذا التكامل الداخلي يمنح BYD تحكماً أكبر بالكلفة وسلسلة الإمداد، ويقلص المسافة بين المختبر وخط الإنتاج.
لكن تفسير النجاح بالتكامل الرأسي وحده يبقى ناقصاً، فالشركة نشأت داخل أكبر منظومة صناعية للسيارات الكهربائية والبطاريات في العالم، وفي ظل سياسة حكومية توفر الدعم والحوافز والحماية.
هل ستتمكن بي. واي.دي. من الصمود في المواجهة الكبرى مع تويوتا على سوق السيارات الهجينة؟
في 2024 أنفقت BYD نحو 7.5 مليارات دولار على البحث والتطوير، أي أكثر من صافي أرباحها لذلك العام. وفي 2025 ارتفع الإنفاق إلى نحو 8.8 مليارات دولار، ليتجاوز الإنفاق التراكمي 33 مليار دولار.
من السوق الصينية إلى الاختبار العالمي
الوصول إلى 4.6 ملايين سيارة لا يعني حسم المعركة. ففي 2025 سجلت BYD أبطأ نمو سنوي لمبيعاتها خلال خمس سنوات مع اشتداد المنافسة داخل الصين. ولكن في المقابل قفزت مبيعاتها خارج الصين بأكثر من 150% وتجاوزت المليون سيارة.
والسؤال لم يعد: هل تستطيع BYD الفوز في الصين؟ بل: هل تستطيع نقل نموذجها الصناعي إلى العالم؟
ويبدو أنها تسعى حالياً لتنفيذ خطة التوسع الخارجي عبر إنشاء مصانع في الدول المستهلكة الرئيسية بدل التصدير من الصين فقط. وهذا التحول ضروري في ظل الرسوم الجمركية التي تزيد صعوبة تطبيق شعار «صنّع في الصين وصدّر إلى العالم».
خاتمة: بين الطموح والواقع
قصة BYD أكبر من قصة سيارة كهربائية ناجحة أو قرار جريء اتُّخذ قبل عشرين عاماً؛ إنها تكشف تغيراً أعمق في صناعة كانت حواجز الدخول إليها من الأعلى عالمياً.
فهل سيتمكن وانغ تشوان فو من تنفيذ وعده الذي أطلقه في يونيو 2026 بأن تصبح BYD أكبر شركة سيارات في العالم خلال خمس سنوات؟



