أسواق الغاز المسال: فائض كبير، وسنوات «عجاف»
أجواء التشاؤم والحذر التي اتسمت بها مداخلات المسؤولين في الشركات الكبرى بشأن الغاز المسال، خلال مؤتمر غازتك 2025 في مدينة ميلانو الإيطالية، كانت انعكاساً صادقاً لمعطيات السوق. فهناك تباطؤ كبير في نمو الطلب العالمي، مقابل طفرة هائلة في طاقات التسييل الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة وقطر وروسيا. هذا «المزاج العابس» يعكس التخوف من حدوث فائض كبير ابتداءً من العام المقبل، ليبلغ ذروته في 2030، ما ينذر باحتمال تدهور الأسعار وتعثر بعض مشاريع التسييل وربما مشاريع الاستكشاف والإنتاج أيضاً.
تباطؤ الطلب والعودة إلى الفحم
شكلت الصين على مدى عقدين رافعة أساسية لنمو تجارة الغاز الطبيعي المسال. لكن مؤشرات الأعوام الأخيرة لا تبعث على التفاؤل. فبيانات 2024–2025 أظهرت أن معدل نمو الطلب تراجع إلى أقل من 5 في المئة سنوياً، مقارنة بمعدلات تجاوزت 10 في المئة طوال العقد الماضي. ويعود ذلك إلى تباطؤ الاقتصاد عموماً، وإلى عودة الاعتماد بشكل أكبر على الفحم، الذي تراجع سعره عالمياً مقارنة بالغاز.
الفائض قد يتجاوز 60 مليون طن سنوياً في 2027، وتزايد القلق من ضعف الطلب الصيني
في المقابل، ما تزال الهند تمثل سوقاً واعدة. لكن نمو استهلاك الغاز لا يزال ضئيلاً مقارنة بالفحم. وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن واردات الهند من الغاز المسال ارتفعت بنسبة 7 في المئة في 2024. وهذه النسبة لا يمكن أن تعوض النقص في الصين، بسبب الفارق الكبير في كميات الاستهلاك. وبهذا فإن أكبر اقتصادين آسيويين، واللذين يُفترض أن يقودا الطلب، يرسلان إشارات تُضعف ثقة المنتجين الكبار بمستقبل السوق.
إقرأ أيضاً: أوروبا «المدمنة» على الغاز الروسي تطلب المزيد من «الجرعات»
أما الأسواق الأوروبية التي كانت المحرك الرئيسي لنمو الطلب على الغاز المسال خلال السنوات الماضية، فيبدو أنها تتحول سريعاً إلى سوق فائضة لا سوق نمو. وستتحول إلى ساحة منافسة شرسة تضغط لتخفيض الأسعار وليس لارتفاعها. وهذا قد يضع مشاريع البنية التحتية الأوروبية الضخمة أمام تحدي الجدوى الاقتصادية.
طفرة غير مسبوقة بالعرض
على الضفة الأخرى، شهدت السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في مشاريع التسييل والتغويز. وهناك العديد من المشاريع الضخمة ستدخل مرحلة التشغيل تباعاً بدءاً من العام الحالي. وذكر تقرير صادر عن مؤسسة IEEFA أن قدرات التسييل العالمية مرشحة للنمو بنسبة 40 في المئة خلال السنوات 2024 – 2028، أي ما يعادل نحو 193 مليون طن سنوياً. وهناك العديد من الدول في آسيا وأفريقيا وأستراليا والشرق الأوسط دخلت بقوة مجال استخراج الغاز الطبيعي وتسييله. ولكن أبرز مصادر نمو العرض هي:
- الولايات المتحدة: باتت بالفعل أكبر مصدر عالمي للغاز الطبيعي المسال منذ العام 2023. ومع بدء تشغيل مشاريع جديدة مثل Golden Pass وPlaquemines LNG، يتوقع أن تضيف هذه المشاريع قدرات تسييل تبلغ نحو 80 مليون طن سنوياً بحلول 2027، وهو ما يضاعف قدرات التسييل والتصدير الأميركية مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات.
- قطر: تمضي بتنفيذ مشروع توسعة حقل الشمال الذي سيرفع طاقتها الإنتاجية من 77 مليون طن سنوياً إلى 126 مليون طن بحلول 2027، ما يجعلها منافساً مباشراً لأميركا على صدارة السوق العالمية.
الهم الروسي
- روسيا: دفعت صدمة وقف تصدير الغاز إلى أوروبا إلى تعجيل تنفيذ استراتيجية تطوير صادرات الغاز المسال كبديل أو رديف أساسي لتصدير الغاز الجاف عبر الأنابيب. وباشرت بتنفيذ العديد من المشاريع الضخمة، خاصة في القطب الشمالي. وتم الإعلان أن هذه الاستراتيجية تستهدف زيادة قدرة تصدير الغاز المسال إلى 100 مليون طن بحلول العام 2030. ولكن مشاريع التسييل لا تزال متعثرة بسبب العقوبات الأميركية المباشرة على بعضها مثل مشروع ( أركتيك 2). كذلك بسبب صعوبة التصدير خلال فصل الشتاء. علماً أن أوروبا زادت بشكل ملحوظ استيراد الغاز الروسي المسال خلال العامين الماضيين. كما أن الصين بدأت تستكشف إمكانية وعواقب خرق العقوبات على أركتيك 2 حيث أعلنت عن استيراد عدة شحنات منه.
- ويبقى العامل الأكثر إثارة للقلق هو حصول التعاون الروسي–الأميركي الذي أعلن عنه في قمة ألاسكا لتطوير موارد القطب الشمالي. ورغم أن هذا السيناريو يبدو بعيدًا، إلا أنه قد يشكل مفاجأة كبرى إذا اختارت موسكو الانفتاح على المحور الغربي على حساب شراكتها مع الصين.
إقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي «يقنع» أميركا بالعودة إلى الغاز لتوليد الكهرباء
إلى أين يتجه السوق؟
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السوق سيشهد فائضاً تقدره وكالة الطاقة الدولية بين 60 – 70 مليون طن سنوياً بحلول 2027، وهو ما يؤدي إلى ضغوط كبيرة على الأسعار. ويرجح أن ينخفض السعر إلى أقل من 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية. وهو الأمر الذي سيخلق قوة دفع مضادة باتجاه تحسن الأسعار بعد العام 2030، تنجم عن خروج بعض المنتجين ذوي التكلفة المرتفعة من السوق، كما تنجم عن التوسع في استهلاك الغاز بعد انخفاض السعر على حساب الفحم والطاقة المتجددة.
ومهما يكن، فإن سوق الغاز الطبيعي المسال تدخل مرحلة شديدة التعقيد. وعلى المدى المتوسط، سيظل نجاح المنتجين مرتبطًا بقدرتهم على تأمين عقود طويلة الأجل، والتكيف مع تحولات جيوسياسية واقتصادية يصعب التنبؤ بها.



