أوبك… هل حان وقت إلغاء نظام حصص الإنتاج؟
يطرح تسريع إنهاء التخفيضات الطوعية من قبل تحالف (أوبك بلس)، سؤالاً يبدو للوهلة الأولى، خارجاً عن المألوف. وهو، هل حان وقت إعادة النظر بنظام تقاسم حصص الإنتاج في منظمة أوبك وتحالف (أوبك بلس)، إما لتطبيقه بحذافيره، وإما لإلغائه؟
بعيداً عن التحليلات التي حمَّلت قرار (أوبك بلس)، أكثر مما يحتمل. وتصويره بأنه تغيير استراتيجي من سياسة حماية الأسعار إلى حماية الحصة السوقية. فتلك المقولة طالما ترددت خلال حروب الأسعار طوال السنوات الماضية. ونشير إلى أن ما يبرر طرح السؤال: هو أولاً، التاريخ الطويل من خرق الاتفاقات من قبل الدول الأعضاء، والمرشح للتفاقم أو للاستمرار بأحسن الاحتمالات. وثانياً، إمعان الدول الكبرى وبخاصة أميركا في «ارتكاب معصية» استخدام النفط كسلاح سياسي مطمئنة إلى ان بعض دول التحالف مستعدة لمواصلة «التضحية» حفاظاً على استقرار الأسواق والأسعار.
تاريخ من الخروقات والعيوب والحروب
في مراجعة سريعة لتجربة نظام سقف الانتاج والحصص، يلاحظ أنه عبارة عن سيناريو متكرر من المفاوضات الشاقة والمناورات والضغوطات لإقرار السقف والحصص، والذي تم تعديله أكثر من 30 مرة خلال السنوات الماضية. يليها موجة خروقات وتنصل من الالتزامات. ومن ثم مفاوضات شاقة ومناورات وضغوطات لفرض الالتزام. ولينتهي هذا السيناريو باندلاع حرب أسعار تعيد الدول الأعضاء وغير الأعضاء إلى «جادة الصواب» والالتزام المؤقت طبعاً.
إقرأ أيضاً: Drill Baby Drill: أميركا «تنعم» بالنفط ونحن «نحلم» بالشمس
هلال لـ «القاهرة الإخبارية»: زيادة الإنتاج خارج «أوبك بلس» قد تقود لحرب أسعار
ولنتذكر ان تحالف (أوبك بلس) نشأ أصلاً بعد حرب أسعار 2014 ـ 2016. ثم تكرر السيناريو ذاته بعد «حرب أسعار» العام 2020. التي أدت إلى انهيار الأسعار إلى مستوى سالب، للمرة الأولى في التاريخ. وفي عام 2023، كاد السيناريو يتكرر بعد قيام روسيا وإيران بالضخ بالحد الأقصى، والبيع بأسعار مخفضة للالتفاف على العقوبات. إضافة إلى إمعان كازاخستان والعراق وروسيا وغيرها في خرق التزاماتها.
وحالياً يلوح في الأفق تكراراً لذات السيناريو ولكن في ظل تطورات أشد تأثيراً، أهمها ما يلي:
- دخول شركات النفط الكبرى كلاعب أساسي في صناعة السوق من خلال موجة التنقيب والاستخراج العارمة في عدد كبير من الدول . وغالباً ما تكون هذه الدول غير قادرة على رفض ميل الشركات إلى الانتاج بالحد الأقصى لضمان تحقيق الأرباح المتوخاة. وربما تشكل تجربة كازاخستان مع شركة شيفرون دليلاً على ذلك. حيث تمتلك الشركة حصة تبلغ 50 في المئة في حقل تنغيز (Tengiz))، أحد أكبر حقول النفط في العالم. وكانت شيفرون قد أعلنت عن خططها لزيادة إنتاجها هذا العام بنسبة 9 في المئة. كما أعلنت إكسون موبيل عن زيادة بنسبة 7 في المئة.
غضب الدول الملتزمة وتماسك أوبك
2. انضمام دول جديدة إلى نادي الدول المنتجة للنفط، باحتياطيات وطاقة انتاجية ضخمة مثل البرازيل. إضافة إلى نجاح الدول النفطية التقليدية مثل أميركا وكندا بتحقيق زيادة تاريخية في قدراتها الانتاجية.
3. عدم رغبة أو عدم قدرة «الدول الخارقة للحصص» في أوبك أو في تحالف (أوبك بلس) على الالتزام بالاتفاقيات والالتزامات.
4. تصاعد غضب الدول الملتزمة بالاتفاقيات مثل السعودية ودولة الإمارات والكويت والجزائر إلخ… التي باتت ترى في نظام سقف الإنتاج وتوزيع الحصص مجرد آلية لمصادرة حقوقها وحقوق مواطنيها من قبل الدول الأخرى. خاصة وأن هذه الدول استثمرت أموالاً طائلة لزيادة طاقاتها الانتاجية. في حين أحجمت الدول الأخرى وحتى الشركات النفطية عن الاستثمار. وهذا الغضب قد يهدد وحدة وتماسك ليس تحالف أوبك بلس بل منظمة أوبك ذاتها.
إقرأ أيضاً: زيادة إنتاج «تحالف أوبك بلس» ضبط للأسواق أم للأعضاء؟
5. تزايد الاعتراضات على دقة احتساب الدول لطاقتها الانتاجية. والتي يجري «التلاعب» بها وزيادتها بشكل عشوائي. وربما ذلك ما يفسر القرار الذي اتخذته أوبك بتطوير آلية لتقييم الطاقة الإنتاجية المستدامة القصوى (MSC) للدول المشاركة في تحالف أوبك بلس، لاستخدامها كمرجع لتحديد خطوط الأساس لحصص الإنتاج لعام 2027.
«معصية» استخدام النفط كسلاح
التطور الأكثر خطورة هو إحياء الدول الكبرى وفي مقدمتها أميركا «معصية» استخدام النفط كسلاح سياسي، في مواجهة الدول المنتجة وحتى المستهلكة. ما يشكل إرباكاً كبيراً لهذه الدول وبخاصة لدول الخليج. كما يسبب إرباكاً أكبر في نظام سقف الانتاج والحصص. واكثر الأدلة «تشويقاً»، كانت الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس بايدن على السعودية ودول الخليج، لزيادة الإنتاج وبالتالي تخفيض الأسعار، لأغراض سياسية تتعلق بالانتخابات.
أما أكثر التطورات دلالة فهي المتعلقة بالعقوبات المفروضة على النفط الروسي. والتي استهدفت تقليص العائدات المالية بتحديد سقف سعري للصادرات، وليس منع التصدير. وصولاً إلى «الإبداع» الأخير المتعلق بمطالبة الهند بوقف استيراد النفط الروسي الرخيص، تحت طائلة فرض عقوبات عليها. وذلك بهدف اجبارها على توقيع اتفاقية التجارة الموعودة مع أميركا، وربما إجبارها على استبدال النفط الروسي بالنفط الأميركي.
إقرأ أيضاً: هل ترتكب أميركا معصية استخدام النفط كسلاح
إقرأ أيضاً: هل يشعل النفط الإيراني والروسي حرب أسعار جديدة؟
ومعروف ان أوبك عموماً ودول الخليج تحديداً بذلت جهوداً كبيرة لتحييد النفط عن السياسة. وذلك بعد «نكسة» استخدامه كسلاح خلال حرب أكتوبر والتداعيات الخطيرة التي ترتبت عليها.
وعليه فإن الإندفاعة الأميركية والروسية ايضاً لتسييس النفط، يضع دول الخليج وبقية الدول الملتزمة في تحالف (أوبك بلس) أمام خسائر مؤكدة على جبهة الحصة السوقية وعلى الجبهة الجيوسياسية أيضاً.
هل آن أوان إلغاء نظام الحصص؟
لا نملك المعطيات ولا الحق لإعطاء جواب، لكن علينا واجب التحليل والاستدلال. وعليه، يمكن القول في ضوء التطورات المشار إليها أن نظام سقف الإنتاج وتوزيع الحصص بات بحاجة إلى إعادة نظر وتقييم علمي وموضوعي. مع الاعتراف بالدور المهم الذي لعبه خلال العقود الماضية في استقرار الأسواق والأسعار، رغم كل ما شابه من خروقات وعيوب وحروب.
ولعل خير مقاربة لهذه المسألة الحساسة هي استقراء الإيجابيات والسلبيات للإبقاء عليه أو إعادة النظر به.
نقرأ في خانة الإيجابيات ما يلي:
- حماية الحصة السوقية للدول التي تمتلك طاقات إنتاجية كبيرة مثل السعودية والإمارات وحتى روسيا (بعد رفع العقوبات) بشكل دائم وليس لفترات محدودة خلال وبعد حرب الأسعار. ما يسهم بضبط الخروقات من أعضاء التحالف، وطوفان الإمدادات من غير الأعضاء.
- تكريس اعتبار النفط سلعة استراتيجية مع إخضاعها لقوانين السوق والعرض والطلب، وتحييد الاعتبارات السياسية عنها. ما يسمح بالتالي بتحقيق مرونة أكبر في التعامل مع تغيرات السوق.
- إزالة الالتباس التاريخي الناجم عن التوصيف الخاطئ لأوبك بأنها «كارتل».
- خفض التوترات داخل منظمة أوبك، الناجمة عن خرق الحصص المتواصل، ما يعزز تماسك المنظمة ويقلل مخاطر تفككها.
أما في خانة السلبيات فنقرأ:
- فقدان أداة مهمة للتنسيق الجماعي، فنظام سقف الإنتاج والحصص، رغم هشاشته، يبقى رمزاً لوحدة منظمة أوبك وتحالف (أوبك بلس). والأهم انه يشكل آلية لإدارة السوق ومؤشراً على نوايا أوبك و (أوبك بلس) المستقبلية واتجاهات العرض.
- زيادة احتمالات إغراق السوق بالإمدادات وبالتالي تدهور الأسعار.
- تراجع دور ونفوذ منظمة أوبك وتحالف (أوبك بلس) كمحرك وضابط لأسواق الطاقة العالمية.
ونختم بسؤال مثير للنقاش: في حال إنهاء العمل بنظام الحصص، هل من مصلحة دول أوبك وبخاصة دول الخليج الدخول في تفاهمات أوسع مع الدول المنتجة والمستهلكة الكبرى في العالم. خاصة وأن هذه الدول تهتم باستقرار الأسعار والإمدادات أكثر بكثير من اهتمامها بالحصول على أسعار رخيصة.
… للحديث صلة