اتفاقية الأمر الواقع لاستكشاف البلوك 8 في لبنان: ليست إنجازاً غير مسبوق ولا تفريطاً بالحقوق

أعاد توقيع اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في البلوك رقم 8 مع تحالف شركات توتال إنيرجيز وإيني وقطر للطاقة، لبنان إلى خريطة الغاز في شرق المتوسط. لكنه أعاد، في المقابل، ملف الغاز إلى «بازار» المناكفات بين القوى السياسية، بين من يعتبره إنجازاً غير مسبوق، ومن يصوّره رضوخاً لإملاءات توتال، وتفريطاً بالحقوق. فأين الحقيقة؟

لم يكن بالإمكان أفضل مما كان

يقتضي التقييم الموضوعي للاتفاقية النظر فيها على ضوء معطيات وأساسيات الاستثمار في النفط والغاز و«الواقع المر» لمناخ الاستثمار في لبنان. ويمكن في هذا السياق ملاحظة الإيجابيات التالية:

  • تعيد لبنان، ولو بشروط متواضعة مقارنة بالاتفاقيات السابقة، إلى خريطة الاستثمارات النفطية في شرق المتوسط، وذلك بعد انتكاسة عدم اكتشاف كميات تجارية من الغاز في البلوكين 4 و 9.
  • وجود ثلاث شركات من الصف الأول عالمياً يضع لبنان مجدداً على شاشات الرادار في صناعة شديدة التنافسية، وشديدة الحساسية للمخاطر السياسية والتجارية.
  • يأتي الاتفاق في لحظة إقليمية مواتية نسبياً، بعد إنجاز ترسيم الحدود البحرية مع قبرص وإسرائيل، ما أخرج البلوك 8 من خانة المخاطر الجيوسياسية. هذا العامل ليس شكلياً، فشركات النفط لا تعمل في مناطق نزاعات حدودية. وأقصى ما تفعله هو الاكتفاء بتوقيع اتفاقيات للاستكشاف والإنتاج لإضافتها إلى محافظها الاستثمارية، مع تنفيذ الحد الأدنى من الالتزامات التعاقدية لناحية الحفر والتنقيب. وحتى لو تم اكتشاف كميات تجارية، لا تنتقل إلى مرحلة التطوير والإنتاج، كما حدث ولا يزال يحدث في قبرص بسبب النزاع مع تركيا.

لا تبرئة من التنازلات

بالانتقال إلى ما يُقال عن تنازلات قدّمها لبنان، فهي حقيقة واقعة ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

أولاً: شروط الاتفاقية: يصح اعتبارها عودة إلى الواقع والواقعية، أو انعكاساً صادقاً للمناخ الاستثماري في لبنان، ولمعطيات سوق النفط والغاز. وأهم هذه الشروط ما يلي:

  1. تجزئة العمل إلى مرحلتين. تتضمن الأولى تفويض التحالف بشكل حصري بإجراء مسح ثلاثي الأبعاد لكامل مساحة البلوك وقدرها 1200 كلم² خلال ثلاث سنوات، وهي مهلة طويلة وغير منطقية. والمرحلة الثانية، ومدتها سنتان، وتتضمن منح التحالف حقّ الاختيار بين حفر بئر استكشافية واحدة بالحد الأدنى أو الخروج من الاتفاقية، ما يعني عملياً وضع البلوك 8 في محفظة التحالف كأصل مؤجَّل التنفيذ، إلا إذا تغيّرت ظروف الاستثمار. والأهم أنه يحرم لبنان من فرصة إجراء المسوحات في هذا البلوك الواعد، ما يعزّز إمكانية تقدّم شركات أخرى في حال لم يتم تلزيمه. وذلك ما يفسّر إصرار شركة توتال و«رضوخ» وزارة الطاقة على منع شركة «تي. جي. أس» من مباشرة المسوحات تنفيذاً للعقد الموقّع معها. ولكن تجدر الإشارة إلى ان الشركة ظلت تتلكأ بتنفيذ العقد، إلى حين اقتراب تلزيم البلوك ما يضمن بيعها للداتا.

إقرأ أيضاً: بترول لبنان: دولة «تنقب» عن التعطيل وشركات «تستكشف» الأعذار

2. الشروط المالية والتجارية: تضمّنت الاتفاقية تعديلاً لصالح التحالف مقارنة بالعرض الذي قدّمه سابقاً للبلوكين 8 و10، ومقارنة بالاتفاقية الموقّعة معه على البلوكين 4 و9. إذ نصّت على زيادة نسبة «سقف استرداد بترول الكلفة» إلى 80 في المئة، مقابل 65 في المئة في اتفاقية البلوك 9، و60 في المئة في اتفاقية البلوك 4. كما نصّت على الإبقاء على الحد الأقصى لحصة لبنان من بترول الربح عند 40 في المئة، مقابل 55 في المئة في اتفاقية البلوك 4.

ثانياً: علاقة ملتبسة مع تحالف توتال

نشأت أساساً من «مزيج سام» يجمع، من ناحية، سلطة سياسية تنظر إلى ملف الغاز كمصدر لتناهب ثروات الوطن والشعب، و«كسلاح في حروب» القوى السياسية. ومن ناحية أخرى تحالفاً نفطياً ينظر إلى الملف كأصل مؤجَّل التنفيذ. وذلك ما يفسّر السلوك غير المألوف الذي اعتمده التحالف في التعامل مع الدولة اللبنانية. فقد امتنع عن تسليم تقريري الحفر في البلوكين 4 و 9 لفترة طويلة. ثم امتنع عن توقيع اتفاقيتي الاستكشاف والإنتاج في البلوكين 8 و10 بعد إقرارهما من قبل الحكومة.

إقرأ أيضاً: لبنان: 10 أسئلة حول دورة التراخيص الثالثة وفيلم تلزيم البلوكين 8 و 10

وإمعاناً في هذا السلوك، لم يردّ التحالف خلال الفترة الممتدة من فبراير 2024 إلى أبريل 2025 على مراسلات وزارة الطاقة وهيئة إدارة قطاع البترول. إلى ان بادر وبالاستناد إلى «فتوى» قانونية تتعلق بقانون تمديد المهل، إلى توجيه رسالة من قبل المدراء التنفيذيين تنسف الصيغة المعتمدة حكومياً، وتقترح بديلاً يقوم على التخلي عن البلوك 10 وحصر الاتفاق بالبلوك 8، وهو ما تم فعلاً.

«انصياع ورضوخ» أم «واقع مر»؟

واستكمالاً لمنهجية التقييم الموضوعي للاتفاقية وملابسات توقيعها، يصبح توصيفها بالانصياع والرضوخ تبسيطاً و«قراءة سهلة» في كتاب المناكفات السياسية. فالأتفاقية جاءت تعبيراً صادقاً عن «واقع مر» يتمثّل في ما يلي:

  • ضعف المناخ الاستثماري في لبنان، خاصة على المستوى السياسي والأمني الذي لا يناسب الاستثمارات البترولية الضخمة وطويلة الأجل، وكذلك على المستوى الإداري لجهة تفشّي الترهل والفساد.
  • عدم وجود تاريخ للصناعة النفطية في لبنان وعدم وجود بنية أساسية، وكذلك صعوبة التصدير في ظل رفض بعض القوى الفاعلة، مثل حزب الله، تصدير الغاز إلى مصر عبر شبكة الأنابيب القائمة بدعوى أن جانباً من هذه الشبكة قد يكون مستخدَماً لتصدير الغاز الإسرائيلي.
  • الانعكاسات المدمّرة للصراعات السياسية على الأنشطة البترولية. وأكثر هذه الانعكاسات وضوحاً، كان تعطيل إقرار اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج لمدة ثلاث سنوات، رغم إبداء أكثر من 50 شركة استعدادها للاستثمار وقيامها بشراء دفتر الشروط حينذاك.
  • عدم اهتمام الشركات النفطية بثروة النفط في لبنان، وتجسّد ذلك بعزوفها عن التقدّم بأي عرض طوال السنوات الماضية خلال دورات التراخيص الثلاث، في وقت شهدت دورات التراخيص في الدول المجاورة إقبالاً كبيراً من الشركات الدولية وعمليات حفر وتنقيب واسعة.

وعليه، كانت الخيارات محدودة: إما القبول باتفاق أقل من الطموح، أو الخروج شبه الكامل من «لعبة» غاز شرق المتوسط.

إقرأ أيضاً: ترسيم الحدود اللبنانية القبرصية: تحرير الغاز من نزاعات البحر وخلافات البر

لتخفيف الشروط بدل المطالبة بتشديدها

كخلاصة لمنهجية الموضوعية في التعاطي مع ملف الثروة البترولية، قد يكون المطلوب ليس الحديث عن «الرضوخ لشروط مجحفة»، بل البحث بشكل جدّي بضرورة تخفيف الشروط التي يعتمدها لبنان في اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج، بهدف جعلها أكثر تناسباً مع أوضاع مناخه الاستثماري، ومع تطورات أسواق النفط والغاز، ومع الشروط المعتمدة في دول الجوار.

وأهم الشروط الواجب تعديلها تلك المتعلقة بمعايير تأهيل الشركات لتقديم العروض، والتي تحصرها بالشركات الكبيرة وتستبعد الشركات المتوسطة، علماً أن التجارب تثبت أن الشركات المتوسطة هي أكثر حماسة للعمل والإنجاز في دول حديثة العهد بالصناعة النفطية، كما في حالة شركة إينرجيان التي اكتشفت حقل كاريش في إسرائيل.

يُضاف إلى ذلك ضرورة الإسراع في الإفراج عن قانون النفط في البر، القابع في أدراج مجلس النواب منذ سنوات طويلة.

زر الذهاب إلى الأعلى