البنك الدولي يستجيب للتوجهات الأميركية: من تمويل المناخ إلى الطاقة النووية
يثير إنهاء البنك الدولي الحظر التاريخي على تمويل مشاريع الطاقة النووية، جملة تساؤلات حول التوقيت والأسباب والتطورات المرتقبة.
يُلاحظ بداية، أن القرار جاء بالتزامن مع أربعة قرارات تنفيذية للرئيس ترامب تتعلق بتعزيز إنتاج الطاقة النووية. كما جاء في سياق تصفية تركة الإدارة السابقة، التي فرضت توجيه الجزء الأكبر من تمويلات البنك لمشاريع المناخ والطاقة المتجددة. وبهذا المعنى، يُفترض أن يشكل القرار مقدمة لتغيير جذري في سياسة التمويل المعتمدة،بالعودة إلى تمويل مختلف مصادر الطاقة بما فيها الأحفورية، وخاصة “الغاز الطبيعي، بعد إجراء المزيد من الدراسة”، كما قال رئيس البنك أجاي بانغا.
إقرأ أيضاُ: من يفوز بتمويل البنك الدولي: «مناخ» الأغنياء أم «تنمية» الفقراء
وشرح بانغا في رسالة إلكترونية وجهها إلى موظفي البنك مبررات التغيير بقوله: الكهرباء حق أساسي من حقوق الإنسان وأساس التنمية. والهدف هو إعطاء البلدان المرونة اللازمة لاختيار كيفية توفير الطاقة الموثوقة اللازمة لتحقيق أهدافها التنموية. وشدّد على أن الطلب على الكهرباء في البلدان النامية سيتضاعف بحلول العام 2035. متوقعاً أن تقفز الاستثمارات المطلوبة في توليد الطاقة والشبكات والتخزين من 280 مليار دولار إلى حوالي 630 مليار دولار.
ومع أن البنك الدولي لم يمول منذ إنشائه عام 1949 سوى مشروع واحد للطاقة النووية في عام 1959، إلا أن بانغا أكد أن البنك سيدعم جهود إطالة عمر المفاعلات النووية الحالية، وسيدعم أيضاً إنشاء مفاعلات جديدة، مع تسريع إمكانات المفاعلات المعيارية الصغيرة.
ملابسات العودة لتمويل الغاز الطبيعي
لعل أبرز ما جاء في رسالة بانغا كان الالتفاف على موقفه السابق المناهض لمشاريع الوقود الأحفوري. والتمهيد لفتح المجال أمام توفير التمويل لها. إذ أكد على حق كل دولة بأن تختار الوسائل الأنسب لظروفها ومواردها. فقد يختار بعضها الطاقة الشمسية أو الرياح أو الطاقة الجوفية أو الكهرومائية. بينما قد يختار البعض الآخر الغاز الطبيعي أو الطاقة النووية. وأضاف أن مجلس إدارة البنك سيدرس بعمق موضوع تمويل عمليات المنبع بالنسبة للغاز الطبيعي.
إقرأ أيضاً: بين تمويل التنمية والمناخ: هل يتشظى البنك الدولي بقيادة «بانغا» (1 من 2)
البنك الدولي بين تمويل التنمية والمناخ: بايدن يعتبر بانغا «القائد التحويلي» (2 من 2)
ولتوضيح ملابسات العودة إلى تمويل الطاقة النووية والغاز الطبيعي، نشير إلى أن الولايات المتحدة أصرت في عام 2023 على تعيين أجاي بانغا لتنفيذ خطة التحول من تمويل التنمية إلى تمويل المشاريع المناخية والطاقة المتجددة. وليحل محل الرئيس السابق ديفيد مالباس الذي استقال قبل عام من نهاية ولايته بسبب رفضه لهذه الخطة. وقد صرح الرئيس بايدن حينها قائلاً: “أريد أن أهنئ أجاي بانغا، الذي سيكون قائداً تحويلياً، وسيساهم في قيادة المؤسسة لمواجهة التحديات العالمية، بما في ذلك تحدي تغير المناخ”.
نقل الموارد من التنمية إلى المناخ
لما كانت موارد البنك لا تكفي لتمويل نشاطه الرئيسي، وهو مكافحة الفقر والتنمية، إضافة إلى الأنشطة المناخية، كان الحل هو تحويل جزء كبير من القروض والمساعدات من التنمية إلى المناخ. ونجح الرئيس الجديد في تنفيذ المهمة الموكلة إليه، وتحديداً في تنفيذ خطة العمل الثانية (2021–2025) التي ركزت على تمويل المناخ واعتماد معيار مراعاة البيئة في المشروعات الممولة، ودمج الأهداف المناخية في أهداف التنمية. ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة هذه الأنشطة إلى حوالي 43 في المئة من إجمالي تمويلات البنك، مع الأخذ بالاعتبار أن العديد من المشاريع التنموية صُنّفت ضمن خانة المشاريع المناخية لأغراض دعائية على الأرجح.
ولذلك، وضع الرئيس ترامب مسألة تغيير توجهات البنك الدولي ضمن قائمة أولوياته، وهو ما تم بالفعل.
أميركا تعود للطاقة النووية
وهكذا جاءت مبادرة البنك الدولي لإنهاء الحظر على تمويل أنشطة الطاقة النووية، متسقة مع توجهات إدارة الرئيس ترامب بالعودة القوية للطاقة النووية بعد نحو ثلاثة عقود من التوقف شبه الكامل عن إنشاء مفاعلات جديدة. إذ أصدر ترامب أربعة أوامر تنفيذية تضمنت إصلاح البحث والتطوير النووي في وزارة الطاقة، وإنشاء مفاعلات نووية على أراضٍ فيدرالية لتغذية منشآت الدفاع والذكاء الاصطناعي، وتسريع بناء واختبار ونشر المفاعلات النووية داخل الولايات المتحدة في العامين المقبلين، وإعادة هيكلة لجنة التنظيم النووي وتحديد مهلة 18 شهراً للبت في تراخيص المفاعلات، وإقرار إصلاحات شاملة لتقليص زمن إصدار التراخيص.
وقال البيت الأبيض في بيان “خلال الثلاثين عاماً الماضية، لم تبنِ الولايات المتحدة سوى مفاعلين نوويين فقط. كما أغلقت العديد من المفاعلات التجارية في مختلف أنحاء البلاد. وتراجعت في مجال البحث والتطوير في الطاقة النووية. وتخلت عن الآمال في أن تكون الطاقة النووية مصدراً رئيسياً للكهرباء. ووصف البيان الإجراءات التي اتخذها ترامب بالتاريخية، مؤكداً أنها تستهدف ضمان تفوق أميركا في مجال الطاقة.
استعادة التفوق النووي
أما مساعد الرئيس الأميركي ومدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، مايكل كراتسيوس، فقال ان الولايات المتحدة تدخل مرحلة نووية جديدة، عنوانها التفوق التكنولوجي وأمن الطاقة. وأضاف أن الرئيس ترامب يتخذ الآن إجراءات تاريخية لضمان تفوق أميركا في توفير طاقة آمنة، وموثوقة، وميسورة التكلفة. ومن خلال هذه الخطوات، يوجّه ترامب رسالة واضحة للعالم مفادها أن أميركا ستبني من جديد، وأن نهضة نووية أميركية جديدة يمكن أن تبدأ الآن.
ويبدو أن رئيس البنك الدولي كان أول من استلم الرسالة واستجاب لها…



