الطاقة الشمسية في لبنان: خيار أخضر أم «بيزنس» رمادي؟

يتم التغنّى حالياً بأن قدرات توليد الطاقة الشمسية في لبنان قاربت 1.5 غيغاواط. أي ما يعادل تقريباً الإنتاج الفعلي لمؤسسة كهرباء لبنان، ويقلّ قليلاً عن قدرة مولدات الأحياء والبلدات. وقد قبلت الناس مرغمة تجرّع هذا «المزيج السام» بأعلى كلفة مالية واقتصادية وبيئية. ولكن ما ليس مقبولاً إرغامهم على «تجرّع الوهم » باعتباره إنجازاُ يُسجَّل في خانة الاستدامة والتحول الأخضر، و«العبقرية اللبنانية» في التكيّف.

مع التأكيد على أهمية الطاقة الشمسية كمصدر موازٍ ومستدام للكهرباء في كل دول العالم، تبقى حقيقة تطورها في لبنان فصلاً من فصول استغلال أزمة الكهرباء لمراكمة ثروات تحالف السياسيين والتجار. حيث تم اعتماد سياسة «العتمة والظلام» بتعطيل إنشاء معامل الإنتاج وتطوير الشبكات، بهدف فتح مزاريب الهدر وخلق بدائل تصب مليارات الدولارات في جيوب أركان التحالف. وجاء ذلك على مراحل كما يلي:

مرحلة الفيول أو العتمة

  • تم تثبيت سعر مدعوم للكهرباء من دون أي مبرر اقتصادي أو اجتماعي. وتزامن ذلك مع التخلف عن الدفع من قبل بعض المناطق والمصانع والشركات ومؤسسات الدولة ومراكز الحكم والنافذين… ما أوقع مؤسسة كهرباء لبنان بعجز مالي دائم. وترافق ذلك مع تهميش المؤسسة وإخضاعها لتحكّم السياسيين.
  • تمت تغطية العجز من الخزينة لشراء الفيول وصيانة المعامل وشبكات النقل المتهالكة، وتحميل الخزينة حوالي 40 مليار دولار، تم تقاسمها بين تجار الفيول والسياسيين. ولكن ذلك حصل من دون توافر الكهرباء لأكثر من 10 ساعات بالحد الأقصى.

إقرأ أيضاً: «الخداع الأخضر»: الوقود الأحفوري للأغنياء..

و «نيرفانا» الطاقة الشمسية لفقراء أفريقيا

مرحلة المولدات أو العتمة

  • تفتّق ذهن أركان التحالف عن «حل سحري» لمشكلة انقطاع الكهرباء، تمثل بالمولدات الصغيرة التي تعمل بالبنزين أو الديزل، فتم استيراد ملايين المولدات من كل الأحجام.
  • بعد تشبّع السوق، جرى تطوير هذا الحل نحو المولدات الكبيرة للأبنية والأحياء والبلدات التي تعمل بالديزل. ويُقدَّر حالياً عدد هذه المولدات بحوالي 12 ألف مولد. ومرة أخرى تقاسم التحالف عائدات استيراد المولدات وامتلاكها وتشغيلها، وطبعاً عائدات تجارة الديزل اللازم للتشغيل.

مرحلة الطاقة الشمسية أو العتمة

  • مع زيادة الاستهلاك واستحالة التوسع في تشغيل المولدات وكذلك استحالة الاستدانة مجدداً من مصرف لبنان لتمويل شراء الفيول، تفتّق الذهن مرة أخرى عن حل سحري هو ركوب موجة الطاقة الشمسية.
  • تمت تهيئة الشروط اللازمة لنجاح هذه المرحلة، فبادرت الحكومة إلى إلغاء دعم الكهرباء، ما جعل فاتورة كهرباء الدولة عبئاً يصعب تحمّله مع عبء المولدات. وتم بالمقابل توفير الدعم والتشجيع لشراء وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية. حيث شهدت السنوات الثلاث الماضية معدلات نمو انفجارية غير مسبوقة في العالم. وكانت النتيجة الثابتة مراكمة المزيد من الثروة بأيدي قلة قليلة من كبار التجار والسياسيين.

أين مشكلة الطاقة الشمسية «اللبنانية»؟

المشكلة ليست في الطاقة الشمسية بحد ذاتها، بل في النسخة أو «البدعة» اللبنانية منها. وهي أنظمة الطاقة المنزلية المستقلة وغير المرتبطة بالشبكة الوطنية. ما يعني إجبار المستهلك على شراء وصيانة نظام متكامل يشمل التوليد والتخزين. مع حملة ترويج وتضليل هائلة لإقناعه بأن هذا النظام سيكون بديلاً عن كهرباء الدولة والمولدات.

ولتبيان حجم الوهم والضلال نشير إلى جملة معطيات وحقائق أهمها:

أولاً: في الحقائق

  • أنظمة الطاقة الشمسية المعتمدة دولياً هي المشاريع الكبيرة التي لا تقل طاقة كل منها عن 20 ميغاواط. ويتم ربطها بالشبكة الوطنية لتشكّل مصدراً إضافياً لسد جزء من زيادة الطلب. وتُعتبر دول الشرق الأوسط من الأفضل لهذه المشاريع بسبب قوة السطوع الشمسي وطول مدته.
  • أما أنظمة الطاقة المنزلية، فبات معروفاً أن الشرط الأساسي لنجاحها هو أن تكون مرتبطة بالشبكة. حيث يتم بيع الطاقة الفائضة إلى مؤسسة الكهرباء والشراء منها وقت الحاجة، وذلك وفق نظام دقيق وعادل للفوترة والمقاصة.
  • بغياب الربط مع الشبكة تمثّل هذه المشاريع خسارة صافية للمستهلك على المدى البعيد. وإن كانت تسهم على المدى القصير بتخفيض فاتورة بعض المنازل والمؤسسات. كما تمثّل خسارة مضاعفة للاقتصاد الوطني لأنها لا تسهم في تخفيض ساعات استهلاك الوقود لتشغيل معامل الكهرباء أو المولدات. ويكون الرابح الوحيد هم تجار الألواح الشمسية والبطاريات وبقية التجهيزات.
  • قانون الطاقة المتجددة الموزعة، الذي لم تُصدر لوائحه التنفيذية بعد (ولا يبدو أنها ستصدر قريباً)، قد يخلق مشاكل يصعب حلها على صعيد الفوترة والمقاصة. خاصة في ظل محدودية ساعات التغذية من معامل الدولة والطاقات الفائضة لدى معظم المنازل. ما سيؤدي إلى اضطرار مؤسسة كهرباء لبنان لتحميل فارق المقاصة على فواتير كافة المستهلكين الأمر الذي يفاقم بالتالي عدم العدالة بين الملتزمين بالدفع وغير الملتزمين. هذا إذا توفرت البنية التحتية والقدرات الفنية والبشرية لدى كهرباء لبنان على تنفيذ القانون.

إقرأ أيضاً: الطاقة الشمسية المنزلية:

تراجع حاد وإفلاس مئات الشركات بسبب انتهاء الدعم

ثانياً: في المعطيات والأرقام

  1. الجدوى الاقتصادية: تم الترويج للطاقة الشمسية المنزلية بأنها ذات جدوى اقتصادية كبيرة، وذلك أمر يحتاج إلى تدقيق أكبر،خاصة في ظل المعايير المعتمدة لقياس الجدوى. حيث يتم تغييب عدة متغيرات عن قصد أو غير قصد. وأهم هذه المعايير معدل استرداد الطاقة  (EPBT). إذ تذكر المؤشرات النظرية عادة أرقاماً متفائلة تتراوح بين 2 إلى 4 سنوات. لكن العديد من الدراسات الموثوقة، مثل دراسة “تسوشيا وآخرون” في تنزانيا (2020)، أظهرت أن هذا المعدل قد يتجاوز 15 سنة، وأحياناً العمر التشغيلي للمشروع نفسه.
  2. العمر الافتراضي: وهو أكثر المعايير أهمية وأكثرها تشويهاً للنتائج، في مجالي العائد على الاستثمار واسترداد الطاقة. إذ لا يتم الأخذ بالاعتبار الاستبدال المبكر للألواح والبطاريات. فقد أثبتت التجارب أن الألواح التي يُفترض أن تعيش 25 سنة، غالباً ما تُستبدل بعد 10 – 12 سنة بسبب تدهور أدائها، والأهم بسبب ظهور أجيال جديدة أكثر كفاءة وأصغر حجماً وأرخص. وينطبق الأمر بشكل أكبر على البطاريات، خاصة بطاريات الليثيوم، التي يُفترض أن تعيش 10 – 15 سنة، لكنها عملياً تُستبدل بعد 5 – 7 سنوات.
  3. رداءة المكونات المستخدمة في لبنان: يُعتبر هذا العامل الأكثر أهمية في قياس جدوى مشاريع الطاقة المنزلية في لبنان. فقد فتح غياب الرقابة والتنظيم والتشريعات اللازمة الباب واسعاً أمام الاستيراد العشوائي لنوعيات رديئة من الألواح والبطاريات. بل تم استيراد كميات ضخمة من الألواح والبطاريات المستعملة والمعاد تجديدها. وذلك يقود إلى الكارثة البيئية المؤجلة وهي نفايات الطاقة الشمسية.

إقرأ أيضا: نفايات الطاقة الشمسية: كارثة بيئية أم فرصة استثمارية؟

بانتظار قيامة الدولة

أزمة الكهرباء في لبنان المستعصية على الحل منذ ربع قرن، يمكن الخروج منها بدفع 3 مليارات دولار لبناء معملين وتطوير شبكة النقل. أي ما يعادل التكلفة السنوية للمولدات والطاقة الشمسية. والأهم أن الجزء الأكبر من هذا المبلغ لن يدفع مباشرة من خزينة الدولة، بل من الشركات المنفذة ومعونات الدول المانحة والصناديق… ولكن ذلك مرهون «بقيامة الدولة» على أنقاض تحالف السياسيين والتجار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى