الطاقة الشمسية في لبنان: نعمة، تتحول إلى نقمة لمخزون المياه الجوفية (1 من 2)

شكل الانهيار الاقتصادي في لبنان دافعاً رئيسياً للتحول السريع وغير المنظم نحو الطاقة الشمسية لاستخراج المياه الجوفية، خاصة في القطاع الزراعي. هذه النقلة، رغم فوائدها الظاهرة، باتت تهدد باستنزاف مخزون المياه الجوفية، وتدهور القطاع الزراعي. ما يؤدي إلى تحويل نعمة الطاقة الشمسية إلى نقمة تتفاقم تداعياتها بغياب التنظيم والتخطيط.

بروفسور حسان مخلوف

شهد لبنان خلال السنوات الأخيرة تحولات جذرية في قطاعي الطاقة والزراعة، فرضتها ظروف الانهيار الاقتصادي والمالي الحاد الذي ضرب البلاد. وبينما كانت الطاقة الشمسية تُطرح سابقاً كخيار بيئي مستقبلي، تحولت إلى بديل شبه وحيد أمام المواطنين والمؤسسات والقطاع الزراعي، بعد انهيار مؤسسة كهرباء لبنان والارتفاع الكبير في أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل المولدات.

انقلاب في طرق الري

في سهل البقاع تحديداً، وهو الشريان الزراعي الأساسي في لبنان، أحدث دخول الطاقة الشمسية إلى الحقول انقلاباً في طرق الري واستخراج المياه الجوفية. لكن، كما هو الحال مع كل التغييرات المفاجئة وغير المنظمة، برزت إشكاليات كبرى مرتبطة بالاستدامة، والأمن المائي، والانعكاسات الاجتماعية والبيئية التي تهدد مستقبل الزراعة والريف البقاعي.

زيادة الضخ من مخزون المياه الجوفية إلى 3 مليارات م3،  مقابل 2.5 مليار م3 للتغذية من الأمطار والثلوج

قبل الأزمة، كان المشهد مألوفًا: المزارع يعتمد على مولدات تعمل بالديزل لاستخراج المياه من الآبار الارتوازية لري محاصيله. ومع ارتفاع أسعار المحروقات ورفع الدعم الحكومي، وجد آلاف المزارعين أنفسهم أمام خيارين: إما ترك الأرض بوراً، أو البحث عن بدائل. هنا دخلت الطاقة الشمسية على الخط، في البداية بخجل، ثم بسرعة غير مسبوقة. ومع تراجع كلفة الألواح نسبياً وازدياد العروض في السوق اللبنانية، تحولت الطاقة الشمسية إلى “المنقذ”.

المياه الجوفية: التحدي الفني والفرصة الاقتصادية

لا بد من التوقف عند مسألة ضخّ المياه الجوفية من الآبار العميقة. حيث إن عمق الآبار في لبنان آخذ بالازدياد، خاصة في البقاع الشمالي، وقد تخطى في معظم الحالات 200 متراً، وقد يصل إلى أكثر من 400 متر نتيجة تراجع المخزون المائي.

إن المضخات المستعملة عادة تتراوح قدرتها بين 60 و120 مترًا مكعبًا بالساعة، ما يفرض استهلاكًا هائلًا للطاقة. فمثلًا، بئر يضخ 60 م³/ساعة من عمق 300 متر يحتاج إلى قدرة تقارب 82 كيلواط. ويستهلك نحو 650 كيلواط ساعي يومياً إذا عمل 8 ساعات. ويتضاعف الرقم إلى 1300 كيلواط ساعي فيما لبئر آخر يضخ 120 م³/ساعة.

الري خلال النهار يرفع كميات المياه المهدرة بسبب التبخر إلى 40%

عملياً، لجأ المزارعون إلى تركيب حقول شمسية ضخمة تضم أكثر من 120 لوحًا بقدرة 550 واط للّوح الواحد (ما يعادل 66 كيلواط ذروة) لتأمين الضخ من هذه الأعماق. وقد تصل الحاجة الفعلية إلى 160 كيلواط ذروة للبئر الواحد. وإذا أخذنا بالاعتبار وجود آلاف الآبار العاملة في لبنان، فإن القطاع الزراعي يستهلك خلال موسم الري كمية هائلة من الكهرباء تعادل تقريباً إنتاج محطة متوسطة الحجم. ما يطرح تحدياً وطنياً يستوجب خطة متكاملة لإدارة المياه والطاقة معاً.

الانتقال إلى الطاقة الشمسية: نعمة أم نقمة؟

هذا الانتقال بدا للوهلة الأولى خطوة إيجابية نحو زراعة أكثر استقراراً. لكن سرعان ما تبيّن أن هذه النعمة قد تخفي في طياتها نقمة. إذ إن ضخ المياه الجوفية طوال ساعات النهار دون معايير أو ضوابط يفتح الباب أمام كارثة مائية وزراعية تلوح في الأفق.

الطاقة الشمسية ليست شراً مطلقًا ولا خيراً مطلقاً. وتحولها إلى نعمة أو نقمة يرتبط بكيفية إدارتها

بعض المزارعين الذين رأوا في الألواح الشمسية فرصة لتقليص التكاليف التشغيلية، اندفعوا نحو توسيع مساحات الزراعة بشكل عشوائي، فيما لجأ آخرون إلى محاصيل شرهة للمياه مثل البطاطا والذرة والقرعيات، باعتبار أن كلفة الضخ صارت شبه مجانية. لكن هذه الاندفاعة حملت معها نتائج عكسية تمثلت بانهيار أسعار المنتجات، خسارة المواسم، وضياع كميات هائلة من المياه التي كان يمكن إدارتها بعقلانية أكبر.

إحدى المعضلات الكبرى تكمن في طبيعة عمل الألواح الشمسية نفسها. فهي تنتج الكهرباء بشكل أساسي خلال ساعات النهار، وهي الساعات نفسها التي تبلغ فيها الحرارة ذروتها. في البقاع مثلاً، حيث تصل درجات الحرارة صيفًا إلى 38 أو حتى 40 درجة مئوية، تصل نسبة التبخر إلى حوالي 40 في المئة من المياه المستخدمة في الري. هذا يعني أن ما يقارب نصف المياه المستخرجة من باطن الأرض لا يصل فعلياً إلى النباتات، بل يتبخر في الهواء.

إقرأ أيضا: الطاقة الشمسية في لبنان: تحول أخضر أم «بيزنس» رمادي

بكلمات أخرى، الطاقة الشمسية التي خففت عبء مولدات الديزل أسهمت في زيادة الضغط على الموارد الجوفية من دون تحقيق الفائدة الكاملة منها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن نستهلك المياه بطريقة غير عقلانية ستجعلنا نخسر هذا المورد الحيوي أسرع مما نتوقع؟

أرقام ومعطيات مقلقة

تشير تقديرات خبراء المياه إلى أن المخزون الجوفي في لبنان يتجدد سنويًا بنحو 2.5 مليار متر مكعب من خلال الأمطار والثلوج. لكن الضخ الحالي يتجاوز أحيانًا 3 مليارات متر مكعب، ما يعني استنزافًا صريحًا يفوق قدرة الطبيعة على التعويض.

نمو انفجاري بتركيب مضخات الطاقة الشمسية، رافقه التوسع في الزراعات الشرهة للمياه

في البقاع وحده، يُقدّر عدد الآبار الارتوازية بأكثر من 25 ألف بئر، نصفها غير مرخّص. فإذا كان معدل ضخ البئر يوميًا هو 500 متر مكعب من المياه الجوفية على فترة 6 أشهر التي تحتاج خلالها الزراعات المروية لمياه الري. فهذا يعني أنه في أقل تقدير يتم ضخ حوالي 2.25 مليار متر مكعب من المياه الجوفية في البقاع فقط. وهذا ما لا يمكن تعويضه في ظل الاحتباس الحراري وتراجع المتساقطات في العقدين الأخيرين. هذه الفوضى تجعل أي حديث عن استدامة الموارد المائية مجرد وهم.

شهادات من الميدان

المشهد ليس بعيداً عن قصص يرويها مزارعون عاشوا التحول بأنفسهم. فقد تحولت حياتهم بين ليلة وضحاها. فقبل إدخال الطاقة الشمسية كانوا يدفعون ملايين الليرات شهرياً لشراء الديزل. أما اليوم، ومع الطاقة الشمسية، لا يدفعون شيئًا لضخ كميات كبيرة من المياه الجوفية. ودفع ذلك إلى زيادة المساحات المزروعة من البطاطا مثلاً. مما أدى إلى زيادة كبيرة في الإنتاج وانهيار في الأسعار، وكثيرون لم يستطيعوا تغطية كلفة البذار.

هذا الأمر يختصر المفارقة اللبنانية: الحل الذي أنقذ الزراعة في المدى القصير قد يدمّرها في المدى الطويل.

*منسق ماستر التنوع الحيوي في الجامعة اللبنانية

ورئيس الحركة البيئية، لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى