اندفاعة الصين لاستيراد الغاز الروسي: حسومات لا تحالفات

الزيادة الكبيرة في واردات الصين من الغاز الروسي المسال تعود لأسباب تجارية بحتة، تتعلق بالحسومات الكبيرة التي تحصل عليها نظير قبولها تحمّل مخاطر خرق العقوبات. وهي لا تعكس موقفاً سياسياً أو توجهاً لزيادة الاعتماد على الغاز الروسي.

أوضح رئيس تحرير موقع ومجلة «طاقة الشرق» ياسر هلال، في مقابلة مع برنامج المراقب على فضائية القاهرة الإخبارية، أن كل المعطيات تؤكد أن سياسة الطاقة في الصين تقوم على تنويع مصادر واردات النفط والغاز. كما تقوم على تحكيم الاعتبارات التجارية، إلا في حالات استثنائية، كما حصل بوقف استيراد الغاز المسال الأميركي. والذي جاء في سياق الحرب التجارية. وهو إجراء يُرجَّح أن يكون مؤقتاً.

تجنب الارتهان لروسيا

وأعطى مثالاً على حرص الصين على عدم الارتهان لروسيا أو لعدد محدود من الموردين، بعدم موافقتها على إنشاء خط أنابيب «قوة سيبيريا 2»، رغم المطالبات المتكررة من قبل روسيا. وكان آخرها إعلان الرئيس الروسي، في ختام لقاء القمة الأخير مع الرئيس الصيني، التوصل إلى اتفاق حول إنشاء الخط، قائلاً: «كل الاتفاقات قد أُبرمت». لكن البيان المشترك للقمة اكتفى بالإشارة إلى أن الطرفين سيعملان على «تعزيز البحث والمشاورات بشأن مشروع خط أنابيب الغاز الجديد».

إقرأ أيضا: مصير خط غاز «قوة سيبيريا 2» مرهون بتموضع موسكو بين أميركا والصين

وأرجع رفض الصين، حتى الآن، إنشاء هذا الخط إلى طاقته التشغيلية الضخمة، التي تبلغ حوالي 50 مليار متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل تقريباً طاقة خط أنابيب «نورد ستريم 2»، ما يعمّق ارتهان الصين للغاز الروسي، خاصة في ظل موافقتها خلال العام الحالي على زيادة الاستيراد عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا 1» من حوالي 15 ملياراً إلى أكثر من 38 مليار متر مكعب سنوياً، وهي الطاقة التشغيلية الكاملة للخط.

مستقبل الواردات في ظل أزمة الفائض

وحول التوقعات بشأن نمو الواردات الصينية من الغاز المسال، أشار هلال إلى أن ذلك يرتبط بمسألتين. الأولى هي تطور العلاقات الصينية – الأميركية، بحيث يتراجع خرق العقوبات وزيادة الواردات مع تحسن العلاقات، ويزداد مع تدهورها، وهو ما يفسر شروع الصين في تشكيل نواة لـ«أسطول الظل» من ناقلات الغاز.

أما المسألة الثانية فتتعلق بحدوث فائض في أسواق الغاز بدءاً من عام 2026 وحتى عام 2030، ما سيؤدي إلى تراجع كبير في الأسعار، مع توقعات بوصولها إلى نحو 8 – 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وهو ما سيقلّص تلقائياً قدرة روسيا على تقديم حسومات كبيرة تبرر إقدام الصين على المخاطرة بخرق العقوبات.

ويُشرح ذلك بالإشارة إلى أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يرتفع الفائض خلال تلك الفترة، التي أطلق عليها المراقبون «السنوات العجاف»، إلى 60–70 مليون طن. ويرجع ذلك إلى حدوث فائض كبير في العرض نتيجة ارتفاع قدرات التسييل الجديدة بنسبة تقارب 40 في المئة. أي ما يعادل نحو 200 مليون طن سنوياً، وفق تقديرات مؤسسة IEEFA. ففي الولايات المتحدة، مثلاً، هناك مشاريع جديدة بقدرة 80 مليون طن سنوياً ستدخل مرحلة الإنتاج بحلول عام 2027. ما يضاعف قدرات التسييل والتصدير الأميركية مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات.

إقرأ أيضا: واردات الصين من النفط الروسي والإيراني: أرقام قياسية بموافقة أميركا!

أما في قطر، فسيؤدي مشروع توسعة حقل الشمال إلى زيادة الطاقة الإنتاجية من 77 مليوناً إلى 126 مليون طن سنوياً. كما أعلنت روسيا التعجيل بتنفيذ استراتيجية تطوير مشاريع الغاز المسال كبديل أو رديف لتصدير الغاز الجاف عبر الأنابيب. وتقضي الاستراتيجية بزيادة قدرة التصدير إلى 100 مليون طن بحلول عام 2030.

تراجع الاستهلاك في الصين

ورداً على سؤال حول تأثير الارتفاع الكبير في استهلاك الغاز المتوقع حدوثه في الصين بحلول عام 2030 على توجهها لزيادة الاعتماد على الغاز الروسي، أشار رئيس تحرير موقع ومجلة «طاقة الشرق» إلى أن كل الاحتمالات واردة. لكن يصعب توقع ما سيحدث حينذاك في ظل متغيرات كثيرة تحكم التطورات. ومنها، على سبيل المثال، انتهاء الحرب على أوكرانيا، ورفع العقوبات عن روسيا، وربما إعادة فتح السوق الأوروبية أمام الغاز الروسي الجاف والمسال.

لكن المؤكد في الأمد المنظور هو تراجع الطلب على الغاز في الصين ليصل إلى حوالي 5 في المئة خلال عامي 2024–2025، مقابل أكثر من 10 في المئة خلال العقدين الماضيين. وتتوقع وكالة «بلومبرغ إن إي إف» أن تفقد الصين في عام 2026 موقعها كأكبر مشترٍ للغاز المسال لصالح اليابان. وكانت الوكالة قد خفّضت تقديراتها لواردات الصين من الغاز المسال في 2026 من 100 مليون طن إلى 73 مليون طن.

لكنه توقّع أن تواصل الصين استيراد الغاز المسال من روسيا في حال استمرت موسكو في منح حسومات كبيرة. ولم يستبعد أن تلجأ الصين إلى زيادة كميات الغاز الروسي التي تعيد بيعها في السوق الفورية، مستفيدة من فارق السعر. وقال إن عدداً كبيراً من المحللين يرون أن التحول إلى تداول محافظ الغاز لدى الشركات الصينية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة ملحّة.

هل تعود أميركا إلى السوق الصينية؟

ألمح هلال إلى أن الولايات المتحدة قد تغضّ النظر عن خرق العقوبات، كما جرت العادة، في حال قررت الشركات الصينية العودة إلى استيراد الغاز المسال الأميركي. خاصة أن العقود الأميركية لا تفرض قيوداً على الوجهة النهائية للشحنات.

وشدد على أهمية عامل إعادة البيع لمواصلة شراء الغاز الروسي، في ظل عدم قدرة الصين على تخفيض وارداتها من عدد كبير من الدول التي ترتبط معها بعقود طويلة الأجل. ومن بينها قطر، التي وقّعت عقداً بقيمة 60 مليار دولار لمدة 27 عاماً.

ويجمع المراقبون على أن صناع القرار في الصين يأخذون في الاعتبار الدروس المستفادة من اعتماد أوروبا المفرط على واردات الطاقة الروسية. إلى جانب الشكوك التاريخية بثبات تموضع روسيا إلى جانب الصين. وتزداد هذه الشكوك في ظل العلاقات المتنامية بين الولايات المتحدة وروسيا حالياً. وخصوصاً ما يتعلق بالتعاون الأميركي – الروسي في استغلال ثروات الغاز الطبيعي في القطب الشمالي، الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب قمة ألاسكا مع الرئيس فلاديمير بوتين.

وختم بالتأكيد على أن مراقبة المقاربات الصينية لقضية الطاقة، وللقضايا الاقتصادية وحتى السياسية الدولية، تؤكد أنها تنطلق من المصالح ولا تقيم وزناً كبيراً للاعتبارات السياسية والعقائدية كما كان يفعل الاتحاد السوفياتي. فالصين، كما يقال، تريد «فرض اليوان الأحمر وليس الكتاب الأحمر».

زر الذهاب إلى الأعلى