«سابك» السعودية: تقلّص وانحسار أم تكيّف واستقرار؟
قراءة تحليلية في التخارج من أصول غير استراتيجية في أوروبا وأميركا
حين تكون الشركة بحجم الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك»، فإن أي تغيير في مسارها لا يُقرأ كخبر عابر، بل كإشارة على تحولات أعمق في الصناعة والسوق. وبين حديث عن تخارجات، وتحديات عالمية يواجهه قطاع البتروكيماويات، برز تساؤل مشروع في أوساط المتابعين: هل تتقلص «سابك»… أم تعيد التكيف مع المتغيرات ؟
الإجابة الأقرب لا تكمن في العناوين، بل في الأرقام.
من ذروة ما بعد الجائحة إلى التكيف
كان العام 2022 استثنائياً كأول عام لتعافي الأسواق العالمية من تداعيات جائحة كورونا، مدعوماً بارتفاع الطلب المؤجل، وصعود أسعار المنتجات البتروكيماوية. إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. في هذا السياق، سجّلت «سابك» إيرادات بلغت نحو 183.7 مليار ريال سعودي، وهو ما يمكن توصيفه كـ«ذروة الإيرادات»، قبل أن تدخل الأسواق لاحقاً في دورة تصحيح وانحسار.
ولذلك، لم يستمر هذا الزخم طويلاً. فقد تراجعت الإيرادات إلى 145.5 مليار ريال في 2023، ثم إلى 139.98 مليار ريال في 2024، أي بانخفاض تراكمي يقارب 24٪ خلال عامين، في انعكاس مباشر لتباطؤ الطلب العالمي وتغير ظروف السوق، أكثر من كونه مؤشراً على تراجع القدرة التشغيلية.
وفي الوقت الذي انخفضت فيه المبيعات، تحركت «سابك» على مسار موازٍ في إدارة التكاليف. إذ انخفضت تكلفة المبيعات من 141.8 مليار ريال في 2022 إلى 119.5 مليار ريال في 2023، ثم إلى 114.4 مليار ريال في 2024، أي بخفض يقارب 19٪ خلال الفترة نفسها. ويعكس هذا المسار توجهاً واضحاً نحو ضبط التكاليف ورفع الكفاءة التشغيلية، لا سيما في ظل تحديات كبرى تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة واللقيم في بعض أسواق الإنتاج الرئيسية.
هذا التوازن بين تراجع الإيرادات وضبط التكاليف انعكس على إجمالي الربح، الذي انخفض من 42.0 مليار ريال في 2022 إلى 26.1 مليار ريال في 2023، قبل أن يستقر نسبياً عند 25.6 مليار ريال في 2024. ورغم حدة الانخفاض في 2023، فإن استقرار الربحية في 2024، رغم استمرار الضغط على الإيرادات، يشير إلى أن الشركة بدأت تستعيد قدراً من التوازن التشغيلي.
وفي هذا السياق، يمكن فهم قرارات التخارج من بعض الأصول في أوروبا والأميريكتين باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب الأولويات، لا تراجعاً عن الدور. فالصناعة اليوم لم تعد تكافئ الانتشار الجغرافي بقدر ما تكافئ الكفاءة والقدرة على المنافسة في البيئات الأقل تكلفة.
2025… عام الحسم في قراءة المسار
ومع دخول عام 2025، تتجه الأنظار إلى النتائج المالية المقبلة باعتبارها نقطة اختبار حقيقية لما إذا كانت إجراءات التكيف مع الواقع الجديد قد بدأت تؤتي ثمارها. فنتائج 2025 ستكون أول عام كامل تُترجم فيه قرارات ضبط التكاليف، وإعادة هيكلة المحفظة، والتخارج من الأصول عالية التكلفة، إلى أرقام تشغيلية واضحة.
ويراقب السوق بشكل خاص ما إذا كانت «سابك»قادرة على ضبط مجموعة مؤشرات حاسمة أبرزها الحفاظ على استقرار إجمالي الربح أو تحسينه، ترجمة الانضباط التشغيلي إلى واقع مستقر وإيجابي، وإظهار وضوح أكبر في أولويات الاستثمار والنمو. هذه المؤشرات مجتمعة ستحدد ما إذا كانت الشركة قد انتقلت فعلياً من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مرحلة بناء مسار أكثر استدامة.
وتبقى نقطة الارتكاز الأهم في هذه المرحلة هي وجود أرامكو السعودية كمساهم رئيسي فهذا الوجود لا يوفّر دعماً مالياً فحسب، بل يمنح مظلة استراتيجية طويلة المدى، ويعزز قدرة «سابك»على اتخاذ قرارات صعبة دون تعريض استقرارها للخطر، وهو ما يبعث برسالة طمأنة واضحة للمساهمين والسوق.
وفي المحصلة، لا تبدو الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك» في مسار تقلص، بقدر ما تمر بمرحلة تكيف واعية. مرحلة تنتقل فيها من التركيز على الحجم إلى التركيز على الكفاءة، ومن التوسع الواسع إلى الانتشار المدروس. وستكون نتائج عام 2025 هي العدسة التي يتضح من خلالها ما إذا كان هذا التحول مستمراً… أم بداية فصل أكثر وضوحاً في مسيرة الشركة.





