ضرب النفط الإيراني: مؤشر لتسوية قسرية أم لإسقاط النظام؟
هل يكون ضرب النفط الإيراني مؤشراً مهماً على أهداف الحرب واحتمالات تطورها، فإما فرض التسوية بدون شروط، وإما إسقاط النظام.؟ فإذا كان ضرب مرافق التصدير في جزيرة خرج مثلاً يستهدف تضييق الخناق على النظام لإجباره على التوقيع، فإن ضرب مرافق التكرير والإنتاج يهدف إلى خلخلة أسس النظام الاقتصادية والاجتماعية تمهيداً لإسقاطه، وربما تفكيك إيران.
لتفادي الانطباع بتحميل ضرب النفط الإيراني أكثر مما يحتمل، تجدر الإشارة إلى أن قطاع النفط والغاز في إسرائيل وإيران، ظل بمنأى عن أي استهداف جدي طوال الحروب التي أدت إلى إنهاء وإضعاف كل حلفاء إيران في المنطقة. وبالتالي فهناك حاجة لتحليل واستقراء مكونات البنية النفطية الإيرانية، ودلالة كل هدف محتمل، من حيث سهولة استهدافه عسكرياً، وأثره السياسي المباشر، والارتدادات المتوقعة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
مرافق التصدير: تشديد الخناق المالي
تشكل مرافق تصدير النفط نقطة ارتكاز استراتيجية في البنية الاقتصادية الإيرانية. إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 85 في المئة من إيرادات الحكومة تأتي من الصادرات النفطية. وتُقدّر شركة «كبلر» أن متوسط الصادرات الإيرانية خلال العام الحالي بلغ 1.6 مليون برميل يومياً، بعد الذروة التي بلغها عند 1.88 مليون برميل في سبتمبر الماضي. وهو رقم لافت يُفسَّر بـ”غض نظر” أميركي عن خرق العقوبات.
أقرأ أيضا: ما هي السيناريوهات المحتملة لاستهداف النفط الإيراني؟
من الناحية العسكرية، تُعد مرافق التصدير أهدافاً سهلة نسبياً، إذ تتركز بشكل أساسي في جزيرة خرج، إلى جانب محطة أقل أهمية في بندر جاسك على بحر عمان. وبالتالي فإن أي ضربة مدمرة لهذه المرافق ستكون رسالة سياسية واضحة بأن زمن “غض النظر” قد انتهى. ليحل محلّه زمن تجفيف منابع الدخل لحرمان النظام من أبرز عناصر قوته الداخلية والخارجية، واضطراره إلى تقليص أو وقف تمويل حلفائه.
ولا خوف فعلياً على كفاية إمدادات النفط لأن هناك طاقات فائضة في السوق، وسيكون المتضرر الأكبر من وقف الصادرات الإيرانية هي الصين. وربما يكون ذلك من «المكاسب الجانبية» بالنسبة لأميركا.
يرجح أن تستوعب إيران الضربة، خاصة وأن آثارها ليست فورية. كما أنها اختبرت سابقاً توقف الصادرات بسبب العقوبات وتمكنت من التكيف معها. ويتعزز ميلها لاستيعاب الضربة في حال لمست جدية أميركية باستئناف المفاوضات معها.
مرافق التكرير: شل الاقتصاد وإشعال الاضطرابات
تمتلك إيران 10 مصافٍ رئيسية تنتج ما يقارب 115 مليون لتر من الوقود يوميًا، ما يضمن لها الاكتفاء الذاتي. وتمثل هذه المصافي العمود الفقري للحياة المدنية والاقتصادية والعسكرية أيضاً. ويؤدي استهدافها إلى شلل في قطاعات النقل والصناعة والزراعة، وارتفاع هائل في تكاليف المعيشة، خاصة إذا ترافق مع ضرب مرافق المخزونات الاستراتيجية الأرضية والعائمة.
عسكرياً، فالمصافي هي أهداف سهلة التدمير نسبياً. وسياسياً، لا يمكن تفسير ضربها إلا باعتباره تحركًا مباشرًا لإسقاط النظام أو على الأقل خلخلة قبضته على الداخل. لا سيما إذا ترافقت الضربة مع تشجيع اندلاع موجة من الاحتجاجات الشعبية، وربما الاضطرابات خاصة في مناطق الأقليات العرقية والطائفية، وتغذية النزعة الانفصالية فيها لدى الأكراد والبلوش والأذريين والعرب.
إقرأ أيضاً: هل يكون قطاع الطاقة في إسرائيل بمثابة «كعب أخيل» إذا توسعت الحرب؟
قد تميل إيران لاستيعاب الضربة في حال كانت جزئية وتقتصر على بعض المصافي الصغيرة. ولكن يصعب قبول ضربة شاملة، خاصة إذا ترافقت مع ضرب المخزونات. وستحاول إيران الرد باستهداف مصفاتي حيفا وأشدود، إضافة إلى مرافق تخزين النفط والمحروقات بما فيها المرفق الضخم الذي تم استحداثه في العام 2024 في صحراء النقب. علماً أن إسرائيل قادرة على مواصلة استيراد احتياجاتها. بعكس إيران الخاضعة للعقوبات، والتي ستضطر للاعتماد على التهريب من الدول المجاورة، خاصة من تركيا وباكستان.
مرافق الإنتاج: الخط الأحمر ونقطة اللاعودة
يبلغ احتياطي إيران النفطي نحو 210 مليار برميل موزعة على أكثر من 100 حقل، من بينها 10 حقول عملاقة كـ”الأهواز” و”غچساران”. ولأن هذه المنشآت تتوزع في مناطق شاسعة، فيحتاج ضربها إلى حملة جوية مكثفة وطويلة الأمد. وينجم عنها أضرار يصعب إصلاحها، خاصة إذا اشتعلت الآبار.
وفي التقدير السياسي، يعني استهداف مرافق الإنتاج والتكرير، السعي إلى تدمير البنية العميقة للنظام وللدولة الإيرانية. وربما يعني أيضاً قراراً بإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لإيران.
الرد: هرمز وغاز وإرهاب
في حال تم ضرب النفط الإيراني بمكوناته الثلاثة، يمكن القول أن قرار إسقاط النظام قد اتخذ. وربما يتزامن ذلك مع نشر «اللقطة الشهيرة» للرئيس ترامب رافعاً القرار مذيلاً بتوقيعه. ولتصبح بذلك كافة الردود الإيرانية المتوقعة أو «المتخيلة» خيارات حتمية. وهي تبدأ بمحاولة إغلاق مضيق هرمز، مروراً باستهداف مرافق إنتاج ومعالجة الغاز ومصافي التكرير في إسرائيل، وصولاً إلى موجة من الأعمال الإرهابية.
أما احتمالات التطورات الناجمة عن ضرب النفط الإيراني فتصبح ضيقة وربما تتراوح بين:
- سقوط سريع للنظام تحت ضغط الضربات العسكرية، والاضطرابات الشعبية والعرقية. وربما تحت تفجر الصراعات الكامنة بين أركانه. ولتدخل المنطقة حينها في مرحلة جديدة بالكامل، يُرجّح أن تتميز بالاستقرار والسلام. إذا قررت أميركا استكمال تصفية الأصوليات لتشمل الأصولية اليهودية ممثلة بنتنياهو واليمين المتطرف، بعد تصفية الأصولية السنية والشيعية. واستكمال ذلك بدعم تنفيذ مبادرة السلام العربية.
- صمود النظام مستفيداً من قدرته على التكيف مع العزلة وندرة الموارد المالية، ومستفيداً من فائض القدرة على القمع لضبط المعارضين. ولتتحول الحرب الخاطفة إلى حصار خانق، يذكّر بمرحلة النظام العراقي بعد تحرير الكويت، وربما يذكّر أيضاً ببرنامج “النفط مقابل الغذاء”.
الخميني غير الخامنئي
ويجدر التنبه هنا، إلى صعوبة قبول إيران بالتسوية المعروضة عليها لسببين: الأول أنها تسوية مهينة، وعبارة عن استسلام غير مشروط. والثاني أن الخميني عندما قرر «تجرع كأس السم» لم تكن التسوية مهينة ولا استسلاماً. كما أن الخامنئي غير الخميني، فهو لا يستطيع القبول بهكذا تسوية، حتى لو كان راغباً.
فلنراقب طبيعة وحجم استهداف النفط الإيراني لاستقراء التطورات.



