مضيق هرمز والنفط: أسطورة الإغلاق ودرس حرب الناقلات في الثمانينيات

… التاريخ سيظل يعيد نفسه وإن بمقاربات مختلفة. وها هو مضيق هرمز يقفز مجدداً إلى الواجهة ليس كممر رئيسي لإمدادات النفط، بل كأحد الممرات الإلزامية لتحقيق «النصر الملحمي» لأميركا وحليفتها أو «النصر الإلهي» لإيران ومحورها.

وتتجمع التساؤلات والسيناريوهات كما تتجمع الناقلات على طرفي المضيق، بانتظار الفتح الدائم، فتعبر وتنخفض الأسعار، أو الإغلاق التام فترحل وتشتعل الأسعار والمنطقة.

بعيداً عن تدفق «إمدادات التحليلات»، قد يكون استشراف التطورات رهن بالإجابة على تساؤلات بسيطة وبديهية.

ثلاثة أسئلة ترسم مستقبل المضيق

1. هل تريد إيران إغلاق المضيق؟

تؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين بأن طهران لا تريد إغلاق مضيق هرمز. بل يؤكدون أنه سيبقى مفتوحاً للملاحة الدولية، مع القول إنه «مغلق فقط أمام سفن الأعداء»، وأحياناً مع طرح شرط «الإذن المسبق» للعبور ربما لشد العصب الشعبي.

إقرأ أيضاً: ضرب النفط الإيراني: مؤشر لتسوية قسرية أم لإسقاط النظام؟

غير أن هذا الخطاب يطرح إشكالية واضحة: فالسفن التي تعرضت للهجمات لم تكن جميعها مرتبطة بدول معادية لإيران. كما أن السفن في تجارة النفط العالمية تبحر غالباً تحت أعلام تسجيل لا تعكس جنسية مالكيها. وبالتالي فإن فكرة استهداف «سفن الأعداء فقط» تبدو عملياً أقرب إلى شعار سياسي منها إلى سياسة قابلة للتطبيق.

2. هل تستطيع إذا أرادت؟

من الناحية العسكرية، فالجواب كلا. لأن عرض المضيق في أضيق نقاطه يتجاوز 30 كيلومتراً، وهي مساحة واسعة تتطلب السيطرة عليها تفوقاً بحرياً وجوياً. وهو أمر شبه مستحيل في ظل الوجود العسكري الأميركي والتدهور المتسارع في القدرات الإيرانية.

خلال حرب الناقلات تم استهداف 450 سفينة و 60 ناقلة، ولكن إمدادات النفط لم تتوقف، والأسعار انخفضت

أما الحديث عن ضيق الممرات الملاحية المحددة بنحو 3 كم للخروج ومثلها للدخول، والذي يطرح كعامل يسهل الإغلاق، فتنقصه الدقة. لأن هذه الممرات ترتبط أساساً بتنظيم الخطوط الملاحية وحركة السفن في المضائق، وفقاً لنظام فصل حركة المرور البحري (Traffic Separation Scheme) المعتمد من المنظمة البحرية الدولية، وليس لأنها الممرات الوحيدة الممكنة جغرافياً.

الأمر الذي يتيح نظرياً، وبعد تأمين شروط السلامة، استحداث ممرات موازية في حالات الطوارئ. كما تجدر معرفة أن الممرات الملاحية هي أقرب إلى السواحل العمانية وليس الإيرانية لأسباب تتعلق بعمق المياه وسهولة الحركة، ولأسباب سياسية طبعاً.

3. الإغلاق الفوضوي كبديل

إغلاق المضيق بالكامل خيار شديد الخطورة وصعب التنفيذ، وربما تلجأ إليه إيران في حالة واحدة هي لحظة انهيار النظام أو استشعار أركانه بأن سقوطه أصبح وشيكاً. فتعتمد معادلة «هدم الهيكل» لرفع كلفة سقوطه إلى الحد الأقصى بمحاولة لعقد صفقة تسوية.

إقرأ أيضا:  من فنزويلا إلى إيران وروسيا: عودة النفط إلى صلب الاستراتيجية الأميركية

ولذلك يبقى أمامها الطريقة المختبرة منذ عقود، وهي التعرض للناقلات، ما يؤدي إلى تعطيل أو عرقلة حركة النقل. ويتم ذلك كاستجابة تلقائية للأسواق بإعادة تسعير مخاطر الحرب ورفع تكاليف التأمين والشحن. وغالباً ما يكفي ارتفاع علاوات التأمين لتعطيل الملاحة مؤقتاً حتى من دون إغلاق فعلي للمضيق.

وهذا هو السيناريو الذي تخشاه أسواق النفط، أي «الإغلاق الجزئي أو الفوضوي»، والذي يؤدي إلى اضطراب مؤقت في حركة الملاحة يعطل نحو 10 إلى 30 في المئة من الإمدادات لفترة محدودة. وهو أيضاً السيناريو الذي تبني عليه معظم نماذج تسعير المخاطر في سوق النفط.

كيف يمكن أن ترد الولايات المتحدة؟

هنا تتفرع الأزمة إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول: فتح المضيق بالقوة – «شبح غاليبولي»

يحمل هذا السيناريو مخاطر كبيرة، بسبب صعوبة تنفيذه بدون معركة برية حاسمة واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي الإيرانية وسقوط الكثير من الضحايا. وهو أمر دونه عقبات أكبر سواء على المستوى السياسي الداخلي في أميركا أم على المستوى العسكري.

فقد بدأ بعض المحللين والقادة العسكريين بالتحذير من مغبة هذا الخيار الذي يعيد برأيهم إلى الأذهان «شبح غاليبولي»، وهو تعبير شائع للدلالة على الهزيمة المدوية التي مني بها الحلفاء في الحرب العالمية الأولى على يد العثمانيين حين حاولوا السيطرة على مضيق الدردنيل.

السيناريو الثاني: تصعيد عسكري شامل

يقضي هذا السيناريو بشن حرب شاملة تستهدف إسقاط النظام. وقد يتضمن: إشعال اضطرابات داخلية ودعم حركات المعارضة، ودعم النزعات الانفصالية في المناطق الحدودية (الأكراد، الأذريين، البلوش، والعرب).

إيران عاجزة عن إغلاق المضيق بالكامل، وأميركا تتهيب فتحه بالقوة خوفاً من «شبح غاليبولي».. والحل هو إدارة الأزمة

أما على صعيد النفط، فقد يشمل: ضرب منشآت التصدير في جزيرة خرج بهدف قطع صادرات النفط وحرمان النظام من المورد الرئيسي للعملات الصعبة، وفرض حصار بحري كامل.

إضافة إلى استهداف مصافي النفط، ومصفاة عبادان تحديداً، لخلق أزمة وقود خانقة وإذكاء نار الاحتجاجات الشعبية خاصة في الأرياف التي تشكل الخزان الشعبي المؤيد للنظام.

لكن إيران في المقابل سترد على الأرجح عبر استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج، وربما استهداف منشآت مدنية حساسة مثل محطات تحلية المياه. في هذه الحالة قد تكون الانعكاسات على أسواق النفط والغاز قاسية للغاية.

والعامل الحاسم هنا سيكون قدرة الولايات المتحدة على الحسم السريع للمعركة، وقدرة إيران على الصمود.

السيناريو الثالث والمرجح: إدارة الأزمة بدلاً من حلها

يقضي هذا السيناريو بإدارة الأزمة على المستويات العسكرية والسياسية والنفطية. فيتم تخفيف تدريجي للتدخل العسكري الأميركي المباشر تحت شعار أن الحرب «حققت أغراضها»، أو أنه تم تدمير القدرات النووية والعسكرية ولم «يعد هناك أهداف لنضربها».

مع الإبقاء على الضغط العسكري بالحد المقبول من خلال عمليات نوعية تتولاها إسرائيل منفردة أو بالشراكة مع القوات الأميركية. ويترافق ذلك مع ضغوط سياسية واقتصادية وفرض عقوبات بالحد الأقصى.

مرافقة البحرية الأميركية للناقلات الكويتية عام 1988

ويستند المؤيدون لهذا السيناريو إلى أنه سيكون الأقل ضرراً وخطورة على المستويين السياسي والعسكري. أما على مستوى إمدادات الطاقة فيرون أنه بالإمكان استيعاب صدمة النقص الجزئي في الإمدادات والتكيف مع الارتفاع في تكاليف مخاطر الحرب.

وتشمل آليات الاستيعاب والتكيف الممكنة:

  • استخدام المخزونات الاستراتيجية
    • رفع القيود عن صادرات النفط الروسي
    • إلغاء قيود الإنتاج في تحالف أوبك بلس
    • تفعيل استخدام خطوط الأنابيب لدى السعودية والإمارات والعراق والتي تقدر طاقتها بحوالي 8 ملايين برميل يومياً.
    • المرافقة العسكرية لناقلات النفط أو قيامها برفع أعلام دول مثل روسيا والصين

درس حرب الناقلات في الثمانينيات

ويقدم التاريخ درساً مهماً في هذا السياق. فقد شهدت الحرب العراقية – الإيرانية، ما يعرف بحرب الناقلات بين عامي 1984 و1988. حين تم استهداف نحو 450 سفينة تجارية وأكثر من 60 ناقلة نفط من قبل إيران والعراق باستخدام الصواريخ المضادة للسفن والطائرات الحربية والألغام البحرية والزوارق المفخخة.

ومع ذلك لم يتوقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز. وتكيف السوق مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن بشكل كبير.

والمفارقة أن كل ذلك لم يؤدِّ إلى ارتفاع أسعار النفط. بل بالعكس فقد انخفض السعر من حوالي 28 دولاراً في عام 1984 إلى نحو 14–15 دولاراً في عام 1988.

إقرأ أيضاً: استهداف جزيرة خرج: ضربة تحذيرية لإيران ورسالة إلى الصين لحماية الملاحة

ولكن توخياً للدقة والموضوعية، تجدر الإشارة إلى متغيرين مهمين: الأول وجود فائض كبير في المعروض خلال تلك السنوات، والثاني أن حصة نفط الخليج في السوق العالمية تقارب اليوم ضعف ما كانت عليه آنذاك، الأمر الذي يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي اضطراب في تصدير النفط الخليجي.

لكن بالمقابل يجدر أيضاً ملاحظة متغير مهم، وهو امتلاك دول الخليج اليوم خطوط أنابيب لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز.

السيناريو الأسهل والأخطر

يقضي هذا السيناريو بالانسحاب الأميركي من المعركة بعد إعلان «النصر الملحمي» بتحقيق كافة أهداف الحرب، واعتبار أن تغيير النظام ليس من ضمن تلك الأهداف بل مسألة يقررها الشعب الإيراني.

وفي المقابل ستبادر إيران إلى إعلان «نصرها الإلهي»، ما يمهد لعودة الأزمات إلى المربع الأول، كما حدث بعد الاتفاق النووي في عهد إدارة أوباما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى