ممر زانجيزور والصراع على النفوذ في القوقاز
عاد ممر زانجيزور (زنغزور)، الذي يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان (نخجوان) الأذري مروراً بإقليم سيونيك الأرميني المحاذي للحدود الإيرانية، إلى صدارة الأحداث كأحد أبرز مشاريع إعادة توزيع النفوذ الجيوسياسي ورسم طرق التجارة في جنوب القوقاز.
المشروع الذي تسعى باكو إلى إنجازه، يتضمن بناء طريق سريع، وإعادة تأهيل خطي سكك حديدية كان الاتحاد السوفياتي قد شيدهما في عشرينيات القرن الماضي. وتستند أذربيجان في سعيها لإحياء هذا الممر إلى المادة التاسعة من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع أرمينيا بوساطة روسية في نوفمبر 2020، بعد النزاع في إقليم ناغورنو كاراباخ. والتي تنص على التزام أرمينيا بتأمين النقل والانتقال بين أذربيجان وإقليم ناخيتشيفان الذي يتمتع بالحكم الذاتي، تحت رقابة حرس الحدود الروسي.
تلزيم المشروع لشركة أميركية
اكتسب المشروع زخماً جديداً بعد مبادرة أميركية اقترحها السفير الأميركي في أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، تقضي بتأجير أرمينيا الممر لشركة أميركية خاصة لمدة 99 عاماً. مع نشر قوة أميركية لحمايته. هذا الاقتراح لقي ترحيباً أولياً من أرمينيا والاتحاد الأوروبي، فيما أعلنت باكو جهوزيتها الكاملة لتنفيذه، متوقعة أن تصل طاقة عبور الممر إلى 15 مليون طن سنوياً.
إقرأ أيضاً: ناغورنو كاراباخ: مجرد معركة في حرب «الممرات والأحزمة»
وتجدر الإشارة إلى أن أهمية ممر زانجيزور، لا تنحصر في تسهيل الربط الجغرافي بين أذربيجان وناخيتشيفان وتركيا فحسب، بل يكمن جوهره في كونه أقصر طريق لآسيا الوسطى نحو البحر المتوسط، ما يجعله محوراً للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. ويحظى المشروع بدعم روسي مباشر، عبّر عنه الرئيس فلاديمير بوتين خلال زيارته إلى باكو في أغسطس 2024، معتبراً أن لأذربيجان “الحق في هذا الممر”.
مكاسب استراتيجية لأذربيجان
وتسعى أذربيجان لتحويل هذا المشروع إلى بوابة استراتيجية تعزز موقعها كمركز للتجارة الإقليمية والدولية، والمساهمة في تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد المفرط على صادرات الطاقة، وهي تعمل على تطوير البنية التحتية المؤدية إلى الممر استعداداً لتعزيز دورها الإقليمي. وتتوقع أذربيجان أن يخفض الممر تكاليف النقل، ويخفف من الاعتماد على النقل الجوي المكلف بين باكو وناخيتشيفان، في حين يُفعّل قطاعات الزراعة، التصنيع، والخدمات اللوجستية. حيث يُنشئ الممر طريقاً مباشراً لتصدير المنتجات الأذربيجانية إلى الأسواق الأوروبية والعالمية. كما يسهم الممر في تعزيز دور أذربيجان في سلاسل التوريد العالمية.
تركيا وإيران
وتجدر الإشارة إلى أن الممر سيخلق رابطاً مباشراً بين أذربيجان وتركيا، متجاوزاً المسارات التقليدية عبر جورجيا وإيران. ما يعزز أيضاً التجارة التركية مع دول آسيا الوسطى الناطقة بالتركية، ككازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان. وتشير التقديرات إلى أن تركيا قد تحقق عائدات عبور سنوية تتراوح بين 10 و15 مليار دولار بحلول عام 2030، نظراً لدورها المتنامي كعقدة لوجستية تربط الشرق بالغرب.
أقرأ أيضاً: ممر زنغزور وقناة التنمية العراقية يطلقان خط تركيا ـ آسيا
في المقابل، يمثل الممر تحدياً استراتيجياً لإيران، التي ترى في إنشائه تهديداً لمكانتها كممر تقليدي بين الشرق والغرب. إذ من شأن الممر أن يهمّش الطرق الإيرانية، ويحرم طهران من عائدات مرور ضخمة. كما يحد من نفوذها في جنوب القوقاز ويغلق حدودها المباشرة مع أرمينيا، ما يخلق تداعيات اقتصادية وأمنية غير محسوبة. وقد عارضت إيران مشروع الممر على مدى سنوات طويلة. ولكن كان لافتاً إعلان الرئيس بزشكيان مؤخراً، موقفاً مختلفاً. إذ اعتبر ان «هناك مخاوف غير مبررة من ممر زانجيزور (زنغزور)».
الولايات المتحدة بدورها تجد في المشروع فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها في القوقاز، وملء الفراغ الذي خلّفه تراجع الحضور الروسي بعد الحرب الأوكرانية وتدهور العلاقات مع أرمينيا وأذربيجان. فالهدف الأميركي يتجاوز حماية ممر تجاري، ليصل إلى تحجيم دور كل من روسيا وإيران ومن ورائهما الصين بالطبع، في طرق التجارة الدولية.
ممر تجاذب إقليمي ودولي
كما يعزز مشروع الممر، التقارب الأميركي– الأرميني ويقلّص فرص التحالف بين أرمينيا وإيران. خاصة في ظل سعي يريفان إلى تنويع شركائها الاستراتيجيين. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن نجاح الممر سيرسّخ شراكتها مع أذربيجان، التي تُعد من أبرز مزوديها بالنفط. كما يُسهم في تعزيز موقع تل أبيب الاستراتيجي في محيط إيران، ما يزيد من الضغط الجيوسياسي على طهران.
من هنا لا يمكن فصل مشروع ممر زانجيزور عن التحولات الكبرى التي يشهدها الإقليم. إذ يمثل هذا الممر في جوهره صراعاً على النفوذ وممرات التجارة، في ظل التراجع الروسي النسبي، وصعود أدوار قوى جديدة على خطوط التماس الجيوسياسي في جنوب القوقاز.
إن ممر زانجيزور (زنغزور) ليس مجرد مشروع نقل وانتقال عابر للحدود. بل هو مسرح تجاذب دولي وإقليمي، تتقاطع فيه مصالح قوى كبرى تسعى لإعادة رسم خرائط التأثير والنفوذ في منطقة القوقاز. وبينما تراه باكو شرياناً اقتصادياً وحيوياً، تراه طهران تهديداً وجودياً، في حين تنظر إليه واشنطن وبروكسل كبوابة استراتيجية لتعزيز نفوذهما في المنطقة. وعلى وقع التغيرات الجيوسياسية، يبقى مصير هذا الممر مرهوناً بتوازنات دقيقة ومصالح متشابكة، قد تعيد رسم ملامح الإقليم لعقود قادمة.
باحث في الشؤون الاقتصادية



