من فنزويلا إلى إيران وروسيا: عودة النفط إلى صلب الاستراتيجية الأميركية

لم يعد التحول في سياسة الطاقة الأميركية من خطاب المناخ والطاقة المتجددة إلى الوقود الأحفوري مجرد تعديل في الأولويات الاقتصادية، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجية أوسع في نظام الطاقة العالمي، وإعادة الاعتبار للنفط والغاز ليس كمصدرٍ للطاقة فقط، بل كأداة نفوذ جيوسياسي في مواجهة الصين ورسم خريطة النفوذ العالمي.

فهل تكون فنزويلا هي النموذج القابل للتعميم، ليس في طريقة تغيير النظام، بل في السيطرة على موارد النفط إنتاجاً وتسويقاً وعوائد مالية؟ وهل تصبح موارد النفط والغاز في إيران هي الهدف الخفي للضربة المتوقعة إلى جانب أهداف السلاح النووي والصواريخ والأذرع؟

من «عبادة» المناخ إلى «تمجيد» النفط

هيمنت خلال السنوات الماضية سردية دعم الطاقة المتجددة، وبناء التحالفات المناخية، وتحفيز سلاسل توريد الطاقة النظيفة. غير أن الواقع الصناعي كشف مفارقة استراتيجية: الصين نجحت في فرض هيمنة شبه كاملة على الطاقة المتجددة، من المواد الخام إلى التصنيع والتجميع وسلاسل الإمداد.

إقرأ أيضاً: النفط نعمة وليس تهمة: ماذا أنتم فاعلون لوقف “شيطنته” ؟

وفوجئت الولايات المتحدة، ومعها دول مجموعة السبع، بأن مواصلة تبني سياسات المناخ ودعم الطاقة المتجددة هو خدمة مجانية للصين وتقويضٌ لعناصر القوة الغربية. فكانت الردة القوية التي قادتها أميركا نحو الوقود الأحفوري والطاقة النووية. وأبلغ تلخيص لهذه السياسة كان تصريح وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو في مؤتمر ميونيخ مؤخراً بأن “الهدف هو دحر «عبادة المناخ»، وبالتالي دحر هيمنة بكين على تكنولوجيا الطاقة النظيفة والجهود العالمية التعاونية في مجال التحول الطاقي”.

ولكي يحقق هذا التحول أهدافه كان لزأماً أن يصبح مساراً دولياً وأن تتبناه الدول الحليفة لأميركا. وذلك ما تسعى إليه الإدارة الأميركية حالياً. لأن “تطوير مصادر الطاقة المتجددة بات مصدر ضغط على واشنطن، ويجب على حلفاء الولايات المتحدة أن يحذوا حذوها في تغيير مسارهم باتجاه إعادة الاعتبار للنفط والغاز”، كما قال الوزير روبيو.

فرض التحول محلياً ودولياً

وفي سياق متصل، أشار تقرير حديث لمعهد تشاتام هاوس إلى أن خطاب «هيمنة الطاقة الأحفورية» الذي تتبناه إدارة ترمب لا يقتصر على زيادة الإنتاج المحلي، بل يهدف إلى إعادة التحكم في موارد النفط والغاز في مختلف أنحاء العالم، والأهم استخدامها كرافعة جيوسياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب بعض مسارات دعم الطاقة النظيفة.

من منظور واشنطن، يشكل النفط والغاز سلاحاً مضموناً ومختبراً على مدى عقود في التنافس مع الصين، وقبلها مع الاتحاد السوفياتي. فصناعة النفط وأسواقه تتحكم بها أميركا سواء عبر القوة السياسية والعسكرية، أو عبر البنى المالية والتقنية التي تقودها شركات أميركية عملاقة.

إقرأ أيضاً: هل ترتكب أميركا معصية استخدام النفط كسلاح؟

وقد اعتمدت الإدارة الأميركية سياسات وإجراءات شاملة ومتنوعة لفرض هذا التحول محلياً ودولياً. فبادرت إلى إلغاء أو تجميد القرارات والسياسات الداعمة للتغير المناخي والطاقة المتجددة التي اتخذتها إدارة بايدن، وإطلاق العنان لمشاريع النفط والغاز. كما قامت بتقويض عمل المؤسسات الدولية المعنية بالمناخ، فانسحبت من اتفاقية باريس، وأجبرت وكالة الطاقة الدولية على العودة إلى «جادة النفط».

أما على مستوى الدول الحليفة، وخاصة الأوروبية منها، فاعتمدت إدارة ترمب سياسة الضغوط القصوى لإجبارها على تغيير سياساتها على مستويين. الأول هو التوظيف المباشر وغير المباشر للرسوم الجمركية والعقوبات. وذلك ما عبرت عنه ببلاغة لافتة ديانا فيرشتغوت روث، التي وصفتها وكالة بلومبرغ بأنها أحد العقول المدبرة لسياسة هيمنة النفط والغاز، بقولها: “النمو الذي تحققه أميركا في ظل نظام مؤيد للطاقة الأحفورية سيجبر الدول الأخرى على إعادة النظر في سياساتها أو مواجهة التراجع الاقتصادي”.

إكسون وشيفرون: القوة الضاربة

أما المستوى الثاني فهو الدعم السياسي غير المحدود لشركات النفط الأميركية للتوسع وضخ الاستثمارات في مختلف دول العالم، بما فيها دول منظمة أوبك. ويمكن تلخيص أدوات هذه المقاربة بثلاثة عناصر رئيسية:

  1. الدبلوماسية النفطية: تتمثل في دعم رسمي مباشر للشركات في مساعيها لدخول أي دولة، وحتى في المفاوضات للفوز بأفضل الشروط. وذلك ما عبرت عنه صراحة سامانثا كارل-يودر، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، بقولها: “لدينا سفراء يتحركون بفعالية كبيرة لدعم شركاتنا النفطية للتوسع في دول مثل العراق وليبيا والجزائر وأذربيجان وكازاخستان”.
  2. العقوبات والرسوم الجمركية والتراخيص: حيث يتم توظيفها إذا دعت الحاجة لدعم الشركات في دخول سوق معينة أو الفوز بالعقود أو فرض شروط مناسبة.
  3. تنويع الخيارات التفاوضية: أي تنويع الفرص الاستثمارية المتاحة في أكثر من دولة، ما يمنح الشركات الأميركية ميزة تفاوضية مع الدول المعنية وميزة تنافسية مع بقية الشركات الصينية والروسية وحتى الأوروبية.

وتظهر في هذا السياق شركات مثل إكسون موبيل وشيفرون في طليعة الشركات المبادرة، حيث نجحت في توقيع اتفاقيات أو مذكرات تفاهم في العراق وليبيا والجزائر وأذربيجان وكازاخستان واليونان ومصر وسوريا، إلخ.

أقرأ أيضا: ما هي السيناريوهات المحتملة لاستهداف النفط الإيراني؟

من غيانا إلى فنزويلا

وتبقى غيانا في أميركا اللاتينية النموذج الذي تعتمده الشركات الأميركية، ومن ورائها إدارة ترمب، لتعزيز وجودها في مختلف الدول وبخاصة في أفريقيا. فقد نجحت شركة إكسون في تحويل هذه الدولة الصغيرة والفقيرة إلى أسرع الاقتصادات نمواً بفضل إنتاجها النفطي البالغ حالياً أكثر من مليون برميل يومياً، وذلك رغم الانتقادات بأن شروط التعاقد كانت مواتية جداً للشركة.

أما فنزويلا فيبدو أنها ستكون النموذج الثاني. وذلك ما عبر عنه جون أرديل، رئيس قسم الاستكشاف في إكسون، بقوله: “مع أن الاعتبارات التجارية تبقى العنصر الأهم، فإن إعطاء الأولوية للنفط والغاز في سياسة الطاقة الأميركية يتماشى بالتأكيد مع ما نقوم به”.

بانتظار إيران وروسيا

يمكن في هذا السياق النظر إلى تطورات الملف الإيراني. ومع أن اختصار الأزمة والحلول الممكنة بالسيطرة على النفط هو نوع من التبسيط، فإن الثروة النفطية، والأهم الغازية، تبقى أحد المجالات الرئيسية للتسوية المرتقبة، سواء مع النظام الحالي بعد «تغيير شكله وسلوكه» أم مع نظام جديد.

والهدف ليس حرمان الصين من النفط الإيراني كما يشاع، بل السيطرة عليه إنتاجاً وتسعيراً، مع التحكم نسبياً بوجهة التصدير تبعاً لتطورات السوق والسياسة. والأهم سيكون التحكم بالعائدات المالية كشرط لرفع العقوبات، بحيث توضع العائدات في حساب لدى أحد البنوك في أميركا ويكون الإنفاق منه تحت إشراف الإدارة الأميركية.

إقرأ أيضاً: «أوبك» vs وكالة الطاقة: انتصار أمن الطاقة على سردية المناخ

وهذه الآلية التي تطبق حالياً على النفط الفنزويلي ليست «بدعة ترامبية»، فقد تم اعتمادها في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين وحتى الآن، وهي أبرز أوراق القوة التي تمتلكها أميركا في فرض سياستها في العراق.

أما النفط الروسي، خاصة في منطقة القطب الشمالي التي تعتبر من أكبر «خزانات» النفط والغاز، فتبقى الجائزة الكبرى. لكن الفوز بها يحتاج مقاربات أخرى غير السيطرة المباشرة، ربما تكون عبر تسويات ومقايضات بين مكاسب سياسية في أوكرانيا وسوريا والقوقاز وبين مكاسب اقتصادية في الاستغلال المشترك للموارد.

حدود السياسة واحتمالات النجاح

رغم صوابية هذه المقاربة من زاوية النفوذ، تظل هناك أسئلة جوهرية حول إمكانات نجاحها، أهمها:

  • الطلب العالمي المتزايد على الطاقة يستدعي مساهمة جميع المصادر، بما في ذلك الطاقة المتجددة.
  • الشركات الأميركية تتحرك بحسابات تجارية دقيقة.
  • هل يمكن لسياسة تقوم على تعزيز السيطرة على موارد النفط والغاز أن تحافظ على زخمها في نظام طاقة يتغير تدريجياً؟

في المحصلة، يبدو واضحاً أن أميركا تعتمد سياسة إعادة الاعتبار لموارد النفط والغاز وتوظيفها كسلاح نفوذ في معركة التنافس مع الصين. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين السياسة والاقتصاد، وبين النفوذ والمخاطر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى