وكالة الطاقة الدولية تتراجع : لا ذروة قريبة للنفط، والطلب سيواصل النمو حتى 2050

في تحول لافت في خطابها المستقبلي، كشفت وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقريرها الجديد «منظور الطاقة العالمي 2025» (World Energy Outlook 2025) عن تغيّر جوهري في تقديراتها للطلب العالمي على النفط والغاز، إذ تراجعت عن توقعاتها السابقة بـ «ذروة قريبة للنفط». وأعلنت أن الطلب على النفط والغاز سيواصل النمو حتى العام 2050، وفقاً لسيناريو السياسات الحالية (CPS) .

تراجع سياسات التحول، وعودة للوقود التقليدي

تقول الوكالة إن الاضطرابات الجيوسياسية، والحروب المتعددة، وعودة الأسعار المنخفضة، أعادت ترتيب أولويات الحكومات نحو الأمن الطاقي والتكلفة أكثر من التزامات خفض الانبعاثات. وتوضح أن العديد من الدول المستوردة للطاقة اتجهت إلى تعزيز مصادرها المحلية التقليدية بدلًا من تسريع التحول الأخضر. بينما اختارت دول أخرى  خصوصا في أوروبا، المضي في تطوير الطاقات المتجددة رغم كلفتها العالية.

إقرأ أيضاً: «أوبك» vs وكالة الطاقة: انتصار أمن الطاقة على سردية المناخ

إقرأ أيضاً: الكونغرس الأميركي يتهم ويحاكم وكالة الطاقة الدولية

هذا الواقع، بحسب الوكالة، خلق توازناً جديداً في سوق الطاقة العالمية. يتمثل في استمرار نموّ النفط والغاز إلى جانب توسّع غير مسبوق في استهلاك الكهرباء. ويصف التقرير هذه المرحلة بأنها «عصر الكهرباء»، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن «عصر النفط لم ينته».

السيناريو الوحيد لتراجع النفط هو «الصفر الصافي»، الذي يستحيل تحقيقه لأنه يتطلب استثمار  4 تريليونات دولار سنوياً في الطاقة المتجددة

واعتبر الأمين العام لمنظمة (أوبك) هيثم الغيص أن وكالة الطاقة الدولية عادت إلى الواقع، بإعلانها أن الطلب على النفط والغاز لن يتراجع، بل قد يواصل صعوده حتى عام 2050 على الأقل.

السيناريوهات الثلاثة: بين الواقعية والطموح

اعتمدت الوكالة ثلاثة سيناريوهات رئيسة لاستشراف المسارات الممكنة لقطاع الطاقة حتى عام 2050، دون أن تعتبرها توقعات حتمية:

  1. سيناريو السياسات الحالية (CPS) – الذي يقتصر على القوانين والإجراءات المطبقة فعلياً.
  2. سيناريو السياسات المعلنة (STEPS) – الذي يضيف إلى ما سبق الخطط المعلنة رسمياً ولو لم تُنفّذ بعد.
  3. سيناريو الصفر الصافي للانبعاثات (NZE) – ،الذي يفترض تطبيقاً شاملاً للسياسات المناخية الكفيلة بحصر الاحترار العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية.

وتبرز الفروقات بين هذه السيناريوهات بوضوح في التقديرات الخاصة بالنفط والغاز، إذ تنتقل الصورة من نموّ مطّرد في الطلب حتى منتصف القرن في السيناريو الأول.  ثم إلى استقرار مؤقت ثم تراجع بطيء في السيناريو الثاني. وصولًا إلى انكماش حاد في استهلاك الوقود الأحفوري في السيناريو الثالث.

الحاجة إلى 25 مليون برميل يومياً

في سيناريو السياسات الحالية  (CPS)ترى وكالة الطاقة الدولية أن العالم ما زال بعيداً عن أي ذروة للنفط. إذ يتواصل نمو الطلب حتى عام 2050 مدفوعاً بزيادة النقل الجوي وصناعة البتروكيماويات والنمو السكاني في الاقتصادات الناشئة. ورغم وفرة الإمدادات الحالية، تتوقع الوكالة أن الأسواق ستحتاج إلى نحو 25 مليون برميل يومياً من مشاريع جديدة حتى عام 2035 للحفاظ على التوازن. ما يستدعي ارتفاع الأسعار مجددًا لتحفيز الاستثمارات.

أمين العام (أوبك): الوكالة عادت إلى الواقع، بإعلانها أن الطلب على النفط والغاز سيواصل صعوده حتى عام 2050 على الأقل

وبحسب التقرير، فإن الولايات المتحدة، وكندا، والبرازيل، والأرجنتين، وغويانا، ستكون أكبر المساهمين في الإمدادات الإضافية خلال العقد المقبل.

الغاز: مراجعة صعودية بعد عام من التراجع

أما الغاز الطبيعي، فشهدت تقديرات الوكالة مراجعة صعودية واضحة في سيناريو السياسات المعلنة (STEPS)  مقارنة بتقرير العام الماضي.
فبينما توقّعت النسخة السابقة تباطؤ الطلب بعد 2030. تفترض النسخة الجديدة استمرار النمو خلال ثلاثينيات القرن الحالي. وذلك كنتيجة لتراجع الأسعار وتعديل السياسات الأميركية التي أعادت الزخم إلى مشروعات الغاز المسال (LNG) .

إقرأ أيضاً: وكالة الطاقة الدولية بين تغيير المدير العام ووقف التمويل الأميركي

إقرأ أيضاً: استقرار أسواق النفط بين «رصانة» أوبك و «انقلابات» وكالة الطاقة الدولية

وتتوقع الوكالة أن الطاقة العالمية للغاز المسال ستزيد بنسبة 50 في المئة بحلول 2030، مع دخول 300 مليار متر مكعب من السعة التصديرية الجديدة. سيأتي نصفها من الولايات المتحدة و20 في المئة من قطر، تليهما كندا ودول أخرى.
غير أن التقرير يلفت إلى أن الأسواق قد تواجه فائضاً بنحو 65 مليار متر مكعب بحلول 2030 في سيناريو STEPS . وهو ما قد يضغط على الأسعار ويدفع المنتجين إلى البحث عن أسواق جديدة في الهند وجنوب شرق آسيا.

السيناريو الطموح: انكماش حاد لكنه صعب التحقيق

في المقابل، يقدم سيناريو الصفر الصافي (NZE) أكثر المسارات طموحاً من الناحية المناحية. إذ يتراجع فيه استهلاك النفط والغاز والفحم بسرعة بفضل تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة والكهرباء النظيفة. لكن الوكالة تقرّ بأن هذا المسار «أصبح أكثر صعوبة للتحقق» مقارنة بالتقديرات السابقة. وذلك بسبب بطء نشر التقنيات النظيفة واستمرار النمو القوي في استهلاك الوقود الأحفوري عام 2024 الذي كان الأعلى في التاريخ.

وتشير النماذج إلى أن هذا السيناريو يتطلب تحولًا غير مسبوق في حجم الاستثمارات، إذ يجب مضاعفة الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة ثلاث مرات لتبلغ نحو 4 تريليونات دولار سنوياً بحلول 2030.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى