أسعار النفط سبقت توقعات ترامب: حرب ساخنة وأسواق باردة

رغم اندلاع الحرب في منطقة تسهم بثلث الإنتاج العالمي من النفط، وإغلاق مضيق هرمز، كانت الأرقام تروي قصة مختلفة تماماً. ومقابل سخونة الأوضاع السياسية والعسكرية، سادت الأسواق والأسعار برودة ملفتة. فلا أسعار العقود الآجلة «حلقَت» إلى 150 دولاراً للبرميل، ولا العلاوات المرتفعة في السوق الفورية ثبتت لأكثر من أيام معدودات. أما الثابت الوحيد فكان مكاسب أميركا ممثلة بارتفاع صادراتها إلى مستويات قياسية قاربت 6 ملايين برميل يومياً. لذلك لم تكن توقعات الرئيس الأميركي بانخفاض أسعار النفط سوى تأكيد للمسار الذي كانت الأسواق قد رسمته بالفعل.

كيف استفادت أميركا من أزمة مضيق هرمز؟

قبل أقل من عقدين كانت الولايات المتحدة من أكبر مستوردي للنفط في العالم، حيث تجاوزت وارداتها 5 ملايين برميل يومياً. أما اليوم فقد تحولت إلى أحد أكبر المصدرين، مع صادرات بلغت نحو 5.9 ملايين برميل يومياً. مستفيدة في ذلك من ثورة النفط الصخري ومن التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية في ظل الحرب مع إيران وأزمة مضيق هرمز.

إقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفط: أسطورة الإغلاق ودرس حرب الناقلات في الثمانينيات

ولم يقتصر الأمر على زيادة الصادرات. فقد نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن شركة “ريستاد إنيرجي” تقديرات تشير إلى أن المنتجين الأميركيين قد يحققون إيرادات «إضافية» تصل إلى 63.4 مليار دولار خلال العام الجاري إذا استقرت أسعار النفط عند مستوى 100 دولار للبرميل.

وقد لخص الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المعادلة بعبارة مباشرة نشرها على منصة “تروث سوشيال” بقوله: “عندما ترتفع أسعار النفط فإننا نجني الكثير من المال”.

وتعكس هذه التصريحات حقيقة أساسية غالباً ما يتم تجاهلها في النقاشات السياسية، وهي أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى ارتفاع أسعار النفط من زاوية المستهلك فقط، بل أيضاً من زاوية المنتج والمصدر الذي يستفيد من الأسعار المرتفعة.

حرب ساخنة وأسواق باردة

رغم التطورات العسكرية غير المسبوقة، فإن سلوك الأسواق النفطية بدا أقل دراماتيكية مما توقعه كثيرون. ففي سوق العقود الآجلة، التي تعكس توقعات المتعاملين بشأن التوازن المستقبلي بين العرض والطلب، لم ترتفع الأسعار بالمستوى الذي كان متوقعاً أو متناسباً مع أحداث بحجم حرب في منطقة تنتج نحو ثلث النفط العالمي، أو مع إغلاق مضيق هرمز.

الرئيس ترامب:عندما ترتفع أسعار النفط فإننا نجني الكثير من المال

أما في السوق الفورية، الأكثر تأثراً بالصدمات عادة، فقد شهدت الأسعار قفزات حادة، في علاوات الحرب والشحن والتأمين، لكنها سرعان ما بدأت بالتراجع مع اتضاح قدرة السوق على التكيف.

فقد انهار الفارق السعري لخام غرب تكساس الوسيط من نحو 23 دولاراً فوق خام برنت إلى ما يقارب 1.5 دولار فقط. وتراجع سعر البرميل الواصل إلى الموانئ الأوروبية من نحو 160 دولاراً إلى 106 دولارات. أما علاوة الخام السعودي فتراجعت من مستويات قاربت 30 دولاراً للبرميل إلى ما بين 15 و19 دولاراً

بمعنى آخر، كانت الصدمة الفورية كبيرة، لكن السوق لم تقتنع بوجود نقص فعلي ومستدام في الإمدادات يبرر استمرار الأسعار عند مستوياتها القياسية.

لماذا بقيت الأسواق هادئة؟

أحد أهم أسباب الهدوء النسبي كان اللجوء إلى الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية. ففي مارس وافقت الولايات المتحدة والدول الصناعية على ضخ 400 مليون برميل من المخزونات، منها 172 مليون برميل من الاحتياطي الأميركي. وارتفع معدل السحب خلال شهرمايو إلى نحو 1.23 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى أسبوعي مسجل تاريخياً.

إقرأ أيضاً: أميركا تنتزع صدار الغاز المسال من قطر و«تنادي» بالتخلص منه !

وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة والصين وبقية الدول الصناعية كانت قادرة على مواصلة السحب بهذا الإيقاع حتى يونيو، ما ساهم في طمأنة الأسواق وتقليص المخاوف من نقص الإمدادات.

وبحسب تقديرات بنك “يو بي إس”، بلغت المخزونات النفطية العالمية نحو 8 مليارات برميل في نهاية فبراير، قبل أن تنخفض إلى نحو 7.6 مليارات برميل مطلع يونيو، أي بانخفاض يقارب 400 مليون برميل، وهو ما يتوافق تقريباً مع الكميات التي تقرر ضخها من الاحتياطيات.

لكن الأهم أن البنك يقدر الحجم المتاح للسحب دون التسبب بمشكلات جسيمة بنحو 800 مليون برميل، ما يعني أن الأسواق كانت تدرك وجود هامش إضافي للتدخل إذا اقتضت الحاجة.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد التجاري لهذه العملية. فالدول الصناعية بنت تلك الاحتياطيات بأسعار تراوحت بين 60 و75 دولاراً للبرميل،  وقامت ببيعها جزء منها بأسعار فاقت 115  دولاراً. والأهم أنها ستعيد بناء الاحتياطيات عند انتهاء الأزمة وتراجع الأسعار.

الخلاصة

ما نشهده هو أزمة مخاطر جيوسياسية وليس نقصاً فعلياً في الإمدادات، وذلك ما يفسر برودة الأسواق حالياً، وما سيفسر قريباً إعادة فتح المضيق عندما تلوح في الأفق أزمة إمدادات حقيقية، يؤدي إلى تراجع كبير بأسعار النفط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى