«أوبك» vs وكالة الطاقة: انتصار أمن الطاقة على سردية المناخ
- هل بدأت وكالة الطاقة الدولية التراجع عن شعارات تحوّل الطاقة ودعم الطاقات المتجددة، والعودة إلى تبنّي خطاب “أمن الطاقة” والاعتراف بأن النفط والغاز سيبقيان مكوّناً رئيسياً في مزيج الطاقة؟
- هل يُمثّل المقال (الاستدراكي أو التراجعي) للمدير التنفيذي، فاتح بيرول، على منصة “لينكدإن”، استجابة للضغوط الأميركية، وتجنّباً لـ “كأس السم” المتمثل إما بإقالته أو بتجميد تمويل الوكالة؟
- هل يُمثّل النجاح اللافت لندوة منظمة «أوبك» الأسبوع الماضي، لحظة احتفال صامت بانتصار نهج المنظمة الداعم لـ “أمن الطاقة” و”أمن المناخ”، على حساب سردية تحوّل الطاقة و”نهاية عصر النفط” التي تبنّتها الوكالة لسنوات؟
بيرول يعترف: المناخ وأمن الطاقة لا يتعارضان
شكّل المقال الأخير لمدير وكالة الطاقة الدولية، وكذلك التقارير الحديثة الصادرة عنها، منعطفًا واضحًا في السياسات والتوجهات، إذ طغى التركيز على أمن الطاقة وضمان الإمدادات. ومع أنه لم يُعلن تراجعاً صريحاً عن خطاب التغير المناخي والطاقة المتجددة، فقد تبنّى شعار المزاوجة بدل المفاضلة بينهما وبين أمن الطاقة. وبدا ذلك جليًا في استخدامه المتكرر لعبارة «وجهان لعملة واحدة»، في إشارة إلى أن ضمان كفاية الإمدادات ومكافحة التغير المناخي يمكن أن يسيرا معاً.
إقرأ أيضاً: وكالة الطاقة الدولية بين تغيير المدير العام ووقف التمويل الأميركي
أعاد بيرول ترتيب الأولويات، حيث تصدّرت مخاطر انقطاع الإمدادات، وتقلبات السوق، وأمن المعادن الحيوية، بدلاً من أهداف الحياد الكربوني والانبعاثات الصفرية التي سادت في السابق. كما أبرز الإنجازات التاريخية للوكالة في بناء الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط والغاز، وتحقيق التنويع في مصادرهما، وتحديث البنى التحتية. وهو ما يُعدّ تذكيراً ضمنياً بمبررات وجود الوكالة من الأصل.
وكان لافتاً أن حديث فاتح بيرول لم يتضمّن تلك النبرة التبشيرية المعهودة بتحول الطاقة، بل جاء في سياق تعزيز «المرونة والتنوع، وتلافي الاعتماد على مصدر واحد»، وهي مقولات مألوفة في خطاب «أوبك» والدول المنتجة للنفط. وذلك رغم إشارته إلى أن مصادر الطاقة المتجددة والنووية ساهمت بحوالي 80 في المئة من نمو الطلب على الكهرباء عالميًا (وهو رقم يثير التباساً كبيراً على أي حال)
وفي لغة تكاد تُحاكي ما طالب به صُنّاع القرار الأميركيون، تحدّث بيرول عن أهمية بناء احتياطيات استراتيجية من المعادن الحيوية، والتوسّع في سياسات تخزين الغاز، وتحسين قدرة الشبكات الكهربائية على مواجهة الأزمات المناخية، والهجمات السيبرانية، وسلاسل التوريد المعقدة. وكل ذلك يُقرأ على أنه توسيع لمفهوم أمن الطاقة، لا تبشيراً بالطاقة المتجددة كبديل للوقود الأحفوري.
تغيير أم امتصاص الغضب الأميركي؟
بهذا، يبدو أن الوكالة الدولية بقيادة بيرول تحاول استيعاب الهجوم الأميركي عبر تبنّي لغة جديدة، تفتح الباب أمام عودة الوقود الأحفوري إلى قلب المعادلة. ولو باسم «المرونة والاستعداد لمواجهة الأزمات».
إقرأ أيضاً: الكونغرس الأميركي يتهم ويحاكم وكالة الطاقة الدولية
ومعروف أن أميركا وضعت وكالة الطاقة الدولية تحت المجهر. وكان الرئيس ترامب قد أوقف، خلال ولايته الأولى، المساهمات الطوعية في تمويلها. وبلغ الهجوم عليها حدّاً غير مسبوق في مارس 2024. حين عقدت لجنة الطاقة والتجارة في الكونغرس جلسة استماع كانت بمثابة “جلسة محاكمة”. وتضمّنت الجلسة اتهامات خطيرة للوكالة وللمدير التنفيذي فاتح بيرول شخصياً.
تراوحت الاتهامات بين خروج الوكالة عن «غرض إنشائها وهو أمن الطاقة، والتركيز على سياسات المناخ». إضافة إلى تهمة إطلاق «توقعات معيبة وسيناريوهات خيالية». وصولاً إلى التهمة الأخطر، وهي «تضليل صُنّاع السياسات بمعلومات خاطئة تؤدي إلى تبنّي سياسات وقرارات تقوّض أمن الطاقة لدى الولايات المتحدة وحلفائها».
ندوة «أوبك»: احتفال بالانتصار
في اليوم نفسه الذي نشر فيه فاتح بيرول مقاله «الاستدراكي/التراجعي»، عاكساً حالة الارتباك التي تعيشها الوكالة، شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد ندوة أوبك الدولية التاسعة. والتي تميزت بقدر كبير من الأهمية والرمزية، وكأنها أشبه باحتفالية بالنصر في تحقيق عدة أهداف استراتيجية، أهمها:
إقرأ أيضاً: أوبك: تبشير وكالة الطاقة الدولية بـ «عصر الكهرباء»، مغالطات وخيال علمي
- ترسيخ دور النفط والغاز كمكوّن رئيسي لا غنى عنه في مزيج الطاقة العالمي. وهو ما يُعدّ تكريساً للنهج الذي اعتمدته المنظمة، والمخالف تماماص لنهج الوكالة الدولية للطاقة في معركة سرديات الطاقة. حيث تفوّقت «واقعية» أمن الطاقة على «شعبوية» أمن المناخ والدعوات المتسرعة للتخلص من الوقود الأحفوري.
- جمعت الندوة شخصيات بارزة تشمل الوزراء وكبار المسؤولين في دول تحالف (أوبك بلس). وقيادات من شركات الطاقة والمؤسسات المالية. ولم يكن حضور المستثمرين وصناديق الاستثمار العالمية مصادفة. بل إشارة إلى أن النهج الذي تتبناه المنظمة بات أكثر إقناعاً لدى دوائر القرار المالي الدولي.
- تحوّل «أوبك» والدول المنتجة إلى لاعب رئيسي ليس في قطاع النفط فقط، بل في إعادة تشكيل مشهد الطاقة العالمي ككل. وذلك ما أظهره عنوان الندوة: (رسم المسارات معاً: مستقبل الطاقة العالمية). وتمّت مناقشة مواضيع مثل: أمن الطاقة، التغير المناخي، التخطيط الاستراتيجي للاستثمار، وسلاسل التوريد… إلخ.
الغيص: تعفّف المنتصر
4. جاءت الندوة في توقيت ذكي، واستثمرها الأمين العام لـ «أوبك» هيثم الغيص بكفاءة، لتوجيه رسائل سياسية وتقنية وعلمية. ولكن بقدر كبير من تعفّف المنتصر عن الشماتة والتشفي. فأكّد أن النفط والغاز ليسا خصمين للطاقة المتجددة ولمواجهة التغير المناخي، بل شرطاً مسبقًا لتحقيقه.
إقرأ أيضاً: أمن الطاقة وأمن المناخ: بين فضيلة الدمج ورذيلة الفصل (2 من 2)
وخلافًا لما كان عليه الحال في سنوات سابقة، لم تعارض «أوبك» صراحة الطاقة المتجددة، لكنها رفضت «شيطنة» الوقود الأحفوري، مؤكدة على ضرورة التكامل والتوازن بدلاً من الإقصاء والاستبدال. كما أعاد الغيص التأكيد على أن أمن الطاقة لا يُبنى بالتمنيات ولا بتقارير النماذج الافتراضية، ولا على التوقعات الخاطئة عن سابق تصوّر وتصميم، وليس عن نقص في المعرفة.
دور وكالة الطاقة ومصيرها
في الختام، يبدو أن وكالة الطاقة الدولية تمر بمرحلة إعادة تقييم سيترتب عليها إعادة تحديد دورها وربما مصيرها. وذلك يتوقّف إلى حدّ بعيد على حقيقة الموقف الأوروبي. وما إذا كانت مرونة الخطاب المستجد تعكس موقفاً تكتيكياً لاستيعاب الضغوط الأميركية. أم تعكس تغييراً جدياً في التوجهات والعودة إلى «رشد أمن الطاقة». ليتم تبنّي خيار تطوير كل مصادر الطاقة المتاحة حالياً ومستقبلاً، على قاعدة التكامل بين كل المصادر لا المفاضلة بينها.
المعادلة باتت واضحة، وهي ضرورة الموازنة بين الطاقة المتجددة والطاقة الأحفورية والنووية، والاقتناع بأن أكبر تهديد لأمن المناخ هو التضحية بأمن الطاقة.



