أميركا تستعيد ريادة الطاقة النووية والعرب أمام اختبار الانخراط والشراكة

تقرير لمؤسسة هيريتاج: الطاقة النووية في صدارة استراتيجية «تحرير الطاقة الأميركية»

تتشكل بسرعة لافتة بوادر ثورة عالمية في صناعة الطاقة النووية، ما يطرح فرصاً وتحديات كبيرة أمام الدول العربية للانخراط المبكر فيها. وليس المقصود بذلك الانخراط السلبي القائم على استيراد المفاعلات، بل المشاركة الإيجابية عبر الشراكات الصناعية والتكنولوجية. فالثورة الجديدة لا تقتصر على الطاقة النووية الانشطارية التقليدية الخاضعة للقيود السياسية والتقنية، بل تشمل الطاقة الاندماجية، ومفاعلات الثوريوم، والمفاعلات المعيارية الصغيرة.

يُضاف إلى ذلك أن هناك توجهاً أميركياً متسارعاً لتعديل وتحديث السياسات والإجراءات التنظيمية المرتبطة بهذه الصناعة وتشجيع الاستثمارات الخاصة فيها. ويترافق ذلك مع وضع آليات جديدة للتعاون الدولي بين الدول الغربية وحلفائها في الدول النامية. ويشمل هذا التعاون تطوير سلاسل الإمداد النووية التي تتحكم بها حالياً الصين وروسيا بصورة مقلقة.

مقال لمؤسسة هيريتاج: رؤية أميركية جديدة

في هذا الإطار، تقدم «طاقة الشرق» تلخيصاً وتحليلاً لمقال لافت نشر على موقع مؤسسة هيريتاج The Heritage Foundation، وأعيد نشره على موقع The National Interest، كتبه الباحث جاك سبنسر. يرى فيه أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع تطوير الطاقة النووية في صدارة استراتيجيته الجديدة لـ«تحرير الطاقة الأميركية».

إقرأ: طاقة الاندماج النووي: من يحقق «الضربة الأولى» الصين أم أميركا (4 من 5)

ومن هذا المنطلق، يدعو الكاتب إلى تبنّي سياسة نووية حديثة ترتكز على تحرير القطاع من القيود التنظيمية القديمة وتعزيز التعاون مع الحلفاء في مواجهة النفوذ الروسي والصيني. ويؤكد أن القطاع النووي الأميركي ظل طوال السنوات الماضية مقيداً بتشريعات متقادمة لا تواكب الابتكار التقني ولا متطلبات الأمن القومي.

العودة إلى الريادة عبر التحالفات

يُذكَر أن العالم يضم حالياً نحو 440 مفاعلاً تجارياً توفر قرابة 10 في المئة من الكهرباء العالمية، مع خطط لبناء 170 مفاعلاً جديداً تمثل زيادة بنسبة 40 في المئة. وفي ضوء ذلك، يراهن ترامب على مضاعفة إنتاج الولايات المتحدة من الطاقة النووية أربع مرات بحلول عام 2050. انطلاقاً من أن النمو المتسارع في الطلب العالمي على الطاقة يخلق فرصة استراتيجية لاستعادة موقع الريادة.

إقرأ أيضاً: حظر «ملتبس» للوقود النووي الروسي يعكس التخوف على توليد الكهرباء النظيفة

ويرى سبنسر أن التحدي الأكبر أمام واشنطن ليس تقنياً بل جيوسياسياً وتنظيمياً. إذ أصبحت روسيا والصين الموردين الرئيسيين للمفاعلات والخدمات النووية. ما يخلق تبعية طويلة الأمد للدول المستوردة في مجالات الوقود ومعالجة النفايات النووية. ويطرح كوريا الجنوبية كنموذج ناجح لتعاون يحقق المنفعة المتبادلة. فهي تصدّر مفاعلات حديثة، بينما تساهم الشركات الأميركية بالمكونات والخبرات. ما يخلق وظائف أميركية جديدة ويعزز سلاسل الإمداد النووية المشتركة.

تحرير الاستثمار وبناء المرونة التنظيمية

يؤكد الكاتب أن القيود التنظيمية القديمة تمثل العائق الأكبر أمام توسع الصناعة النووية الأميركية. فالقوانين الحالية تجعل تراخيص البناء والتشغيل عملية طويلة ومكلفة حتى للمواقع القائمة. ويقترح السماح للقطاع الخاص بالبدء في الإنشاء قبل الحصول على التراخيص النهائية على مسؤوليته المالية، نظراً لأن تقنيات التخصيب معروفة وآمنة. كما يدعو إلى استثناء المشاريع القائمة من المراجعات البيئية المتكررة، لتوفير الوقت والتكاليف وتسريع الاستثمار في إنتاج الوقود النووي.

نحو سياسة نووية مرنة ومتعددة الأطراف

يرى سبنسر أن تطوير الصناعة النووية الأميركية لا يمكن أن يقتصر على الداخل، بل يجب أن يشمل مراجعة اتفاقيات التجارة النووية لتسهيل تصدير التكنولوجيا وتبادل الخبرات مع الحلفاء. ويشير إلى مذكرة التفاهم الموقّعة مؤخراً بين أميركا وبريطانيا. التي تتيح تبادل التقنيات النووية وتعزز التنافسية المشتركة في مواجهة روسيا والصين.

 عصر مفاعلات الثوريوم: أميركا ابتكرتها.. والصين تطورها لتعزز تحكمها بالطاقة المتجددة

ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تمتلك فرصة حقيقية لاستعادة ريادتها النووية إذا أُحسن تنفيذ الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب وتفعيل التعاون التجاري والعلمي مع الدول الصديقة.

فرص عربية في التحول العالمي

إن الرؤية التي يطرحها معهد «هيريتاج» تعكس تحولاً واسعاً في التفكير الأميركي تجاه الطاقة النووية بعد سنوات من الانكماش التنظيمي والاعتماد على روسيا وآسيا. ومن شأن نجاح هذه السياسة أن يعيد تشكيل خريطة التنافس في سوق المفاعلات والوقود النووي عالميًا. ويعيد لواشنطن دورها في تحديد معايير الأمان والتمويل.
وفي هذا السياق، تبرز أمام الدول العربية فرصة نادرة للمشاركة في سلاسل الإمداد. والدخول في شراكات إنتاجية مبكرة تتيح لها التحول من مستهلك للطاقة النووية إلى مساهم في صناعتها العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى