النفط ومضيق هرمز: لماذا خالفت الأسعار التوقعات؟
- لماذا تبدو أسواق النفط أكثر هدوءاً وثباتاً من التغطيات الإعلامية والتحليلات السياسية؟
- لماذا لم يقفز سعر البرميل إلى 200 دولاراً للبرميل، رغم اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز؟
- لماذا ارتفعت إيرادات النفط السعودية خلال أول شهر كامل من الحرب إلى أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات لتصل إلى 24.7 مليار دولار؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن جزءاً كبيراً من التحليلات المتداولة يتعامل مع «سعر النفط» وكأنه رقم واحد يعكس حقيقة واحدة، بينما الواقع أكثر تعقيداً بكثير. فالسوق النفطية لا تتكون فقط من العقود الآجلة المتداولة على الشاشات، بل تضم أيضاً السوق الفورية للشحنات الجاهزة للتسليم. وتخضع كل من هاتين السوقين لعوامل مختلفة نسبياً، تشمل علاوات المخاطر، وتكاليف الشحن والتأمين، والفروقات بين أنواع الخام المختلفة ومصدر الشحنة ووجهتها.
والأهم من ذلك أن الأسواق لا تسعّر الحرب بحد ذاتها، بل تسعّر احتمال تحولها إلى حرب طويلة الأمد تؤدي إلى نقص كبير ومستدام في الإمدادات. وهي فرضية تستدعي التساؤل عما إذا كانت إيران تمتلك فعلاً القدرة العسكرية والسياسية اللازمة لفرض إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز.
بين السوق الفورية والآجلة
يتم التركيز عادة على أسعار خام برنت أو غرب تكساس المتداولة في بورصات العقود الآجلة، التي تمثل رهانات ومضاربات على الأسعار المستقبلية. لكن هذه الأسعار لا تعكس بالضرورة واقع السوق الفعلية أو الفورية للنفط الخام الجاهز للتسليم. فهذه السوق تحكمها عوامل معروفة أهمها على الإطلاق العرض والطلب، وحاجة المصافي والتجار لبراميل جاهزة للتسليم لأغراض التكرير أو التخزين. إضافة إلى عامل المخاطر الجيوسياسية مقرونة بتسعير مخاطر الحرب من قبل شركات التأمين والشحن.
الحقيقة لا تظهر على شاشات التداول، بل في السوق الفورية وعلاوات مخاطر الشحن والتأمين وتوفر براميل جاهزة للتسليم
وتظهر آثار هذه العوامل بصورة أوضح في السوق الفورية، حيث يجري تداول الشحنات الجاهزة للتسليم بعيداً عن رهانات الأسواق المالية على الأسعار المستقبلية. ويذكر تقرير لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة حول صدمات مضيق هرمز، أن الصدمة التي تبدأ في السوق الفعلية تنتقل سريعاً إلى الأسواق المالية، وليس العكس دائماً. ويشير التقرير أيضاً إلى الاختلاف الكبير في أسعار السوق الفورية بين الأسواق. ففي حين ارتفعت أسعار الشحنات السعودية إلى الدول الأسيوية، فلم تشهد أسعار الشحنات الأميركية إلى أوروبا مثلاً ارتفاعاً ملحوظاً.
النفط مجاناً خلال كورونا
ونسوق للتوضيح مثالين، الأول هو تداعيات الحرب الحالية وملابسات تهديد الملاحة في مضيق هرمز. فقد بلغت علاوة بعض الشحنات السعودية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر والمصدرة إلى دول آسيوية حوالي 30 دولاراً للبرميل. لكن سرعان ما تراجعت إلى نحو 20 دولاراً فوق الأسعار المرجعية، كما ذكرت وكالة رويترز. وتشمل هذه العلاوة، مخاطر الحرب وتكاليف الشحن والتأمين، كما تشمل حاجة الجهة المستوردة ونوعية النفط. وذلك ما يفسر القفزة الكبيرة في الإيرادات المالية السعودية في الشهر الأول للحرب.
خطوط الأنابيب كبدائل لمضيق هرمز: ماذا لو تغير النظام الإيراني؟ (2 من 2)
المثال الثاني، ما حدث خلال جائحة كورونا وحرب الأسعار التي رافقتها. فقد انهار السعر يومها إلى ما دون الصفر. أي أن حاملي العقود التي حلت آجال استحقاقها، اضطروا للتخلي عنها مجاناً، بل إلى دفع ما بين 2 إلى 5 دولارات لمن يقبل شراء العقد واستلام الشحنة. وذلك بسبب عدم وجود مشترين أو أي سعة للتخزين، فقد امتلأت المستودعات وتم استخدام ناقلات النفط وعربات القطار للتخزين.
أسعار النفط ومضيق هرمز
تثير مراقبة أسعار النفط سؤالاً مهماً، وهو لماذا كان تأثير إغلاق مضيق محدوداً في السوقين الفورية والآجلة؟
الجواب، ببساطة لأن المتداولين في سوق العقود الآجلة يركزون على تحليل وتوقع كيف ستكون الأسعار على المدى المتوسط. ولذلك فقد يستقر سعر البرميل أو حتى ينخفض، رغم استمرار التوترات. أما المشترين في السوق الفورية فيهتمون بتوافر شحنات جاهزة للتسليم ولو بسعر أعلى قليلاً. وعليه يمكن إرجاع الثبات النسبي في الأسعار إلى عدة أسباب، أهمها:
إقرأ أيضاً: تساؤلات غير بريئة حول استهداف الغاز القطري وإغلاق مضيق هرمز
- انضباط إيقاع الحرب: بات واضحاً أن أميركا تتجنب توسيع نطاق الحرب لتشمل استهداف منشآت إنتاج وتصدير النفط. وينطبق ذلك على إيران بالطبع التي ليس لها مصلحة باستهداف جدي للمنشآت الخليجية، ولا قدرة على تحمل الرد في حال أقدمت على ذلك. يضاف إلى ذلك القناعة بأن النهاية السياسية أو العسكرية للحرب باتت أقرب.
- محدودية تأثر الإمدادات الفعلية: رغم المبالغات الإعلامية التي تفيد بفقدان السوق 15 مليون برميل من الخام بسبب إغلاق المضيق، فإن الحقيقة غير ذلك. فقد تمكنت السعودية خلال أيام معدودات، من تشغيل خط شرق-غرب بطاقته القصوى البالغة حوالي 7 ملايين برميل. وكذلك فعلت دولة الإمارات بخط حبشان-الفجيرة بطاقته البالغة 1.8 مليون برميل. أما العراق فيمتلك خطين لتصدير نفط الشمال إلى تركيا. وتمت إعادة تأهيل جزئية للخط الاتحادي، ما رفع طاقته الجاهزة للاستخدام إلى حوالي 500 ألف برميل يومياً.
السحب من المخزونات
يضاف إلى ذلك العامل الحاسم في تخفيف صدمة الإمدادات، وهو مبادرة الدول الصناعية الكبرى إلى سحب كميات ضخمة من الاحتياطي الاستراتيجي. وأعلن مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول أن ضخ مئات ملايين البراميل كان له “تأثير قوي على استقرار الأسواق”. وكذلك فعلت الصين وهي المستورد الرئيسي لنفط الخليج. حيث ساهم السحب من مخزوناتها التجارية والاستراتيجية، وإعادة ترتيب تدفقات الاستيراد من موردين آخرين، في تهدئة مخاوف الأسواق من تحول الأزمة إلى نقص فعلي ومستدام في الإمدادات.
الأسواق لا تسأل: هل هناك حرب؟ بل إلى أين تتجه هذه الحرب، وكم ستستمر، وهل ستتحول إلى أزمة إمدادات فعلية
- ملابسات إغلاق المضيق: رسوخ القناعة بعدم قدرة إيران العسكرية على فرض إغلاق كامل للمضيق. وترافق ذلك مع تزايد الشكوك بعدم جدية الولايات المتحدة وحتى الدول الأوروبية بفرض فتحه وتأمين حرية الملاحة. وتعززت هذه الشكوك مع اتضاح أن العامل الأهم في توقف الملاحة هو إقدام شركات التأمين على وقف التغطية التأمينية للناقلات والطواقم والزيادة المبالغ فيها لتسعير مخاطر الحرب.
الخلاصة: هل تؤدي الحرب إلى أزمة إمدادات؟
لا يعني ما سبق، التقليل من خطورة أزمة مضيق هرمز كأحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لكن قراءة السوق من خلال أسعار العقود الآجلة وحدها قد تكون مضللة، تماماً كما أن التركيز على أثر التصعيد العسكري على السوق الفورية، قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير حجم الأزمة الفعلية.
فالخطر الحقيقي لا يظهر على شاشات التداول في الأسواق المالية، بل في السوق الفورية، وعلاوات الشحن والتأمين، والبحث المحموم عن البراميل الجاهزة للتسليم. وهذا يؤكد أن الأسعار تتحرك وفق توازن دقيق بين: الزمن، والتخزين، والشحن، والمخاطر، والتوقعات المستقبلية.
ويمكن القول إن السوق النفطية قادرة على تحمل قدر كبير من التوترات السياسية والعسكرية قصيرة الأمد، والتراجع الجزئي للإمدادات طالما بقيت منشآت الإنتاج والتصدير خارج دائرة التدمير الواسع. وطالما لم تؤد تلك التوترات إلى خروج كميات كبيرة من الخام من السوق لفترة طويلة.
في النهاية، الأسواق لا تسأل هل هناك حرب؟ بل إلى أين تتجه هذه الحرب، وكم ستستمر، وهل ستتحول إلى أزمة عرض فعلية.



