ناشر «طاقة الشرق» للقاهرة الإخبارية: الصين، لا أوبك بلس، من يحسم اتجاه أسعار النفط؟
بينما تتجه معظم التحليلات إلى ربط التراجع المرتقب في أسعار النفط بقرار أوبك بلس زيادة الإنتاج وفتح مضيق هرمز جزئياً، يرى رئيس تحرير طاقة الشرق ياسر هلال في حوار على قناة القاهرة الإخبارية، أن العامل الأكثر حسماً في الواقع هو الصين، ومدى قدرتها على إطالة مدة التخفيض غير المسبوق في وارداتها النفطية، بل مدى رغبتها بلعب دور «المستورد المرن» لتحقيق التوازن في سوق النفط.
تحليلات لا تراعي تشابك العوامل
أكد هلال رداً على سؤال لمقدمة برنامج المراقب الإعلامية دينا سالم، حول التوقعات بتسارع هبوط أسعار النفط بعد قرار تحالف أوبك بلس زيادة الإنتاج، أن أسواق وأسعار النفط تخضع لعوامل متشابكة ومتغيرة. ولذلك فإن التحليلات التي تستند إلى عامل واحد تفتقر إلى الدقة عادة. وذلك ما حدث خلال أزمة إغلاق مضيق هرمز، حيث سادت توقعات بأن يرتفع السعر إلى 150-200 دولار، ولم يحدث ذلك. وقال إنّ الأمر يتكرر حالياً مع فتح المضيق جزئياً، ومع قرار تحالف أوبك بلس بزيادة الانتاج بحوالي 188 ألف برميل يومياً، إذ تميل التحليلات إلى حدوث فائض في المعروض وتراجع كبير بالأسعار، والمرجح أن لا يحدث ذلك أيضاً.
العوامل الأكثر تأثيراً
وقال إنّ هناك ثلاثة عوامل تتحكم باتجاهات الأسواق، مرتبة من الأقل إلى الأكثر أهمية:
- تطورات فتح وإغلاق مضيق هرمز
- قرارات تحالف أوبك بلس المتعلقة بضبط المعروض، ومدى قدرته على إلزام الدول الأعضاء بسقوف الإنتاج المقررة. وهناك مؤشرات مقلقة على عدم الانضباط المتوقع، تتمثل في مبادرة بعض الدول إلى منح حسومات سعرية والبيع بأسعار أقل حتى من النفط الإيراني. إذ تم عرض خام عُمان مثلاً بخصم 4 دولارات عن مؤشر دبي المرجعي، وهو أكبر خصم منذ 2020. كما تم عرض خام “دجينو” Djeno الكونغولي بخصم 14 دولاراً عن سعر برنت.
فتش عن الصين
- الطلب الصيني، وهو المرجح أن يكون العامل الحاسم في الأمد المنظور، حيث فاجأت الصين العالم بقدرتها على لعب دور رئيسي في ضبط أسواق النفط من خلال تحكمها بالطلب. إذ قامت خلال أسابيع معدودة بتخفيض وارداتها من النفط المنقول بحراً من 11 إلى 6.4 مليون برميل يومياً، وهي كمية تعادل واردات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مجتمعة. وهو الأمر الذي دفع بعض المحللين إلى إطلاق مفهوم جديد في ضبط سوق النفط العالمية هو «المستورد المرن»، مقابل دور «المنتج المرن» الذي لعبته السعودية طوال العقود الماضية، مستندين في ذلك إلى عامل الاحتياطي الاستراتيجي الضخم الذي راكمته الصين وبلغ حوالي 1.4 مليار برميل، مقارنة بحوالي 413 مليون برميل لدى أميركا مثلاً.
الصين ودور «المستورد المرن»
وعن تأثير بروز الصين بدور «المستورد المرن» على منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس، رأى رئيس تحرير طاقة الشرق أنه يصعب في هذه المرحلة المبكرة بناء تحليل متماسك أو إصدار توقعات دقيقة. ولكن مهما حدث فإن تحالف أوبك بلس سيبقى لاعباً رئيسياً في توازن الأسواق والأسعار من ناحية تحكمه بجزء من العرض، وإن كان هذا التحكم يضعف تدريجياً في ظل عدم التزام بعض الدول الأعضاء بحصص الإنتاج المقررة وضخّها إنتاجها بأقصى طاقتها القصوى. إضافة إلى بروز منتجين كبار مثل الولايات المتحدة التي رفعت إنتاجها مؤخراً إلى ما يقارب 14 مليون برميل يومياً.
وأضاف أنّ الجواب يستوجب التدقيق في مسألتين:
الأولى: الظروف التي سمحت بإجراء هذا التخفيض الهائل في الواردات. واعتبر أنّ المرونة الصينية لم تكن مطلقة، وأن بعض عواملها مؤقت بطبيعته، مثل الاحتياطي الاستراتيجي وهو عامل غير مستدام. كما أنّ تعليق صادرات المنتجات المكررة يترتب عليه تداعيات سياسية ودبلوماسية كبيرة، ولا يمكن إطالة مدة التعليق. وحتى التطور الكبير في مصادر الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية يبقى محكوماً بحدود معينة. يُضاف إلى ذلك عامل خفي نسبياً وهو التباطؤ الاقتصادي، إذ كان التخفيض سيصبح أصعب بكثير لو استمر معدل النمو عند 6 أو 7 في المئة كما كان خلال السنوات الماضية. وتساءل عمّا إذا كانت الصين راغبة فعلاً بلعب دور في موازنة أسواق النفط.
إدارة سوق النفط أم حسابات سياسية؟
الثانية: تتعلق بالجانب الجيوسياسي والصراع مع أميركا. فمعروف أنّ الولايات المتحدة تعتبر السيطرة على النفط والغاز إنتاجاً وتكريراً وتسعيراً، وعلى طرق الإمداد خصوصاً، سلاحاً رئيسياً في مواجهة الصين. وكان من المفترض أن يُلحق إغلاق مضيق هرمز ضرراً كبيراً بالصين. وبهذا المعنى، يمكن وصف الرد الصيني بأنه استطلاع بالنار لفعالية هذا السلاح من جهة، ومناورة بالذخيرة الحية لتقييم فعالية الاستراتيجية الصينية لمواجهة هذا التهديد من جهة أخرى. وهي استراتيجية تم اعتمادها في عهد الرئيس الصيني الأسبق هو جين تاو في العام 2003، وأطلق عليها «معضلة ملقا»، وتقضي «بتقليص الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة لنفوذ قوى أخرى».
مصير اتفاقية خط كركوك-جيهان
وختمت الإعلامية دينا سالم الحوار بسؤال حول مشكلة تصدير النفط العراقي في ظل وقف العمل المتوقع باتفاقية خط أنابيب كركوك-جيهان. وقال هلال إنه يربط الجواب بما سبق أن أشار إليه حول قدرة دول تحالف أوبك بلس على زيادة الإنتاج في ظل أزمة طرق التصدير وتراجع الطلب. فالعراق يعتمد بشكل شبه مطلق على مضيق هرمز لتصدير نفطه، لأن نحو 97 في المئة من صادراته خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 كانت من حقول الجنوب والوسط. ولذلك فإن إنهاء العمل باتفاقية خط كركوك-جيهان يعني إغلاق المنفذ البري الوحيد للتصدير.
وتوقع أن يتم التوصل إلى تسوية لهذه الأزمة خلال الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى أنقرة نهاية الشهر الحالي، قد تقضي بتمديد العمل بالاتفاقية لمدة عام واحد كما يطالب العراق، مقابل التزام العراق بضخ المزيد من الاستثمارات لزيادة إنتاج حقول الشمال، مع وعد بربط خط أنابيب البصرة-حديثة بخط كركوك-جيهان.



